أَوْ تَعْمَلْ بِهِ - أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَمَلَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى مَيْلِ الطَّبْعِ بِالِاخْتِيَارِ ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ غَيْرَ الِاخْتِيَارِيِّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَلَا ذَنْبَ فِيهِ فَلَا عَفْوَ وَتَجَاوُزَ ، وَبِأَنَّ غَيْرَ الِاخْتِيَارِيِّ لَا تُؤْخَذُ بِهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِأُمَّتِي ، وَبِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى رِوَايَةِ رَفْعِ أَنْفُسُهَا وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ نَصْبِهَا فَلَا إذْ الرَّفْعُ دَالٌّ عَلَى الِاضْطِرَارِ وَالنَّصْبُ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، وَبِأَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يُنَافِي ذَلِكَ الْحَمْلَ لِأَنَّهُ يُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ .
فَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ: عَفَا اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي كُلَّ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْجَوَارِحِ بِالتَّكَلُّمِ أَوْ بِالْعَمَلِ فَيَدْخُلُ فِي الْعَفْوِ الْهَمُّ وَالْعَزْمُ بِالْقَلْبِ بَعْدَ مَيْلِ الطَّبْعِ إذْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالتَّكَلُّمِ تَكَلُّمُ مَا هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ كَالْغِيبَةِ وَالْقَدْحِ وَالنَّسَبِ فِي الْحَسَدِ وَسُوءِ الظَّنِّ وَكَذَلِكَ الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ .
وَإِنْ قُلْتَ: مُجَرَّدُ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ حَرَامٌ لَا يُعْفَى فَلِمَ لَا يَكُونُ مُجَرَّدَ سُوءِ الظَّنِّ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِهِمَا كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ كُلًّا فِعْلٌ قَلْبِيٌّ ؟ قُلْتُ: الْأَوَّلَانِ قُبْحُهُمَا وَحُرْمَتُهُمَا لِذَاتِهِمَا وَقُبْحُ مَا نَحْنُ فِيهِ لِسَبَبِ الْعَمَلِ الْقَبِيحِ فَإِذَا تَجَرَّدَ عَنْهُ ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ وَلَا سِيَّمَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ تَشْرِيفًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَعَمْ قَصْدُ الْمَعْصِيَةِ وَهَمُّهَا وَلَا سِيَّمَا الْعَزْمُ الْمُصَمِّمُ قَلَّمَا يُوجَدُ بِدُونِ الْأَثَرِ عَلَى الْجَوَارِحِ ، وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ الْكَمَالَ أَنْ يُخْلِيَ الْإِنْسَانُ قَلْبَهُ عَنْ الْعَزَائِمِ الْفَاسِدَةِ وَالصِّفَاتِ الْخَبِيثَةِ وَتَحْلِيَتُهُ بِالنِّيَّاتِ الصَّالِحَاتِ وَالصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ .
وَأَمَّا الرِّئَاءُ بِطَاعَةٍ أَوْ