: الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ غَرِقَ فِيهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ .
وَقِيلَ أَيْضًا: إنَّهَا غَرَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ لَهَا حَبَائِلُ وَمَصَائِدُ لَا يَنْجُو مِنْهَا إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ صُرَّتَانِ وَبِقَدْرِ مَا يَدْخُلُ فِي إحْدَاهُمَا يَخْرُجُ مِنْ الْأُخْرَى وَاحْذَرْ الْمَيْلَ إلَيْهَا فَحَيْثُ مَالَ الْحِمْلُ وَقَعَ ، وَهِيَ دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَلَهَا يَسْعَى مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ، أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهَا: مَنْ خَدَمَنِي فَاخْدِمِيهِ وَمَنْ خَدَمَكَ فَاتَّبِعِيهِ وَهِيَ مِثْلُ ظِلِّكَ إنْ هَرَبْتَ تَبِعَكَ وَإِنْ طَلَبْتَهُ تَبَاعَدَ عَنْكَ ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هِمَّتُهُ فَرَّقَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ لَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هِمَّتُهُ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَثَلُ صَاحِبِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْمَاشِي عَلَى الْمَاءِ هَلْ يَسْتَطِيعُ الْمَاشِي عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْتَلَّ قَدَمَاهُ ؟ } وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَخُوضُ فِي الدُّنْيَا وَنَعِيمِهَا وَقَلْبُهُ مُعْرِضٌ عَنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بَلْ لَا مَحَالَةَ إنَّ مُلَابَسَةَ الدُّنْيَا تَقْتَضِي عَلَاقَةً وَظُلْمًا فِي قَلْبِهِ لِمَنْعِ حَلَاوَةِ الْعِبَادَةِ كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ كَمَا يَنْظُرُ الْمَرِيضُ إلَى طَعَامِهِ وَلَا يَسْتَلِذُّهُ لِشِدَّةِ الْجُوعِ كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَسْتَلِذُّ الْعِبَادَةَ مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا .
وَبِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إنَّ الدَّابَّةَ إذَا لَمْ تُمْتَهَنْ وَتُرْكَبْ تَصَعَّبَتْ وَتَغَيَّرَ خُلُقُهَا ، كَذَلِكَ الْقُلُوبُ إذَا لَمْ تُرَقَّقْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَتَتْعَبْ بِالْعِبَادَةِ تَقْسُو وَتَغْلُظُ ، وَبِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إنَّ الزِّقَاقَ مَا لَمْ تَنْخَرِقْ يُوشِكُ أَنْ تَكُونَ وِعَاءً لِلْعَسَلِ كَذَلِكَ الْقُلُوبُ مَا لَمْ تَخْرِقْهَا الشَّهْوَةُ أَوْ يُدَنِّسْهَا الطَّمَعُ أَوْ يُقْسِيهَا النَّعِيمُ يُوشِكُ أَنْ تَكُونَ أَوْعِيَةً لِلْحِكْمَةِ ، وَضَرَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ