( وَيَكْرَهَ مَادِحَهُ ) بِنَصْبِ يَكْرَهَ عَطْفًا لِمَصْدَرِهِ عَلَى قَوْلِهِ كَرَاهَةُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا تَلْزَمُهُ كَرَاهَةُ مَادِحِهِ ( عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْ مِنْ خَيْرٍ إنْ سَمِعَهُ ) مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ عَدَمَ كَرَاهَتِهِ ضَرُورِيٌّ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُحِبَّهُ ، وَأَمَّا بُغْضُهُ عَلَى مَدْحِهِ فَقَدْ لَا يُطِيقُهُ وَلَكِنْ يَبْرَأُ مِنْهُ بِمَا وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ وَقَدَرَ عَلَيْهِ ( وَكَرِهَ الْمَدْحَ فِي الْوَجْهِ ) أَيْ فِي حَضْرَةِ الْمَمْدُوحِ لِأَنَّهُ مَوْقِعٌ فِي الرِّئَاءِ وَالشُّهْرَةِ وَحُبِّ الْحَمْدِ وَالْعُجْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { اُحْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ } ، أَيْ إذَا أَخَذَ الْمَدَّاحُونَ فِي الْمَدْحِ فَخَيِّلُوا أَنَّ التُّرَابَ يُصَبُّ عَلَيْكُمْ فِي قُبُورِكُمْ بِحَضْرَةِ الْمَدَّاحِينَ وَاسْتَشْعِرُوا جَوَابَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَلَّقَ بَالَهُ بِذَلِكَ حَالَ الْمَدْحِ فَقَدْ جَعَلَ التُّرَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَادِحِهِ ، وَذَلِكَ لِيَخْشَعَ فَلَا يُعْجِبُهُ الْمَدْحَ ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوهِ الْحَضْرَةُ ، وَذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ الطَّحَاوِيَّ وَذَكَرَ أَهْلُ بَطْلَيُوسَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الشَّاعِرِ مَدَحَ رَئِيسًا وَأَدْرَجَ مَعَهُ الْقَاضِيَ فِي الْمَدْحِ فَجَمَعَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَهْلَ الْفِقْهِ عِنْدَهُمْ وَشَاوَرَهُمْ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَحْثِي فِي وَجْهِهِ رِطْلًا مِنْ التُّرَابِ فَفَعَلَ ، وَهَذَا خَطَأٌ عَظِيمٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بَلْ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنْ يَرْفَعَ التُّرَابَ بِيَدِهِ وَيَصُبَّهُ فِي الْأَرْضِ فِي وُجُوهِهِمْ أَيْ فِي حَضْرَتِهِمْ لِيُنَبِّهَهُمْ وَيُنَبِّهَ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ تُرَابٍ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَيَفْعَلَ وَيُعْطِيَهُمْ أَوْ يَرُدَّهُمْ بِجَمِيلٍ فَإِنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ السَّائِلِينَ .
وَقَدْ أَعْطَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَرْمِهِمْ بِتُرَابٍ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَادِحَ يُحِبُّ الْمَالَ وَأَنَّهُ لَا يَمْلَأُ