يُدْرِكْ شَيْئًا ، وَكَذَا السَّكْرَانُ وَالْمَجْنُونُ .
وَالْوَاقِعُ فِي أَمْرٍ هَائِلٍ قَدْ يَمُرُّ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَرَاهُ ، وَكَذَا الْغَافِلُ ؛ وَكَذَلِكَ لَا يَشُمُّونَ وَلَا يُدْرِكُونَ الطَّعْمَ وَلَا يَلْمِسُونَ وَلَا يَسْمَعُونَ ، وَمَنْ اشْتَغَلَ بِأَمْرٍ ثَقِيلٍ قَدْ يُجْرَحُ وَلَا يُدْرِكُ أَلَمًا حَتَّى يَتَفَرَّغَ ، وَإِذَا أَفَاقَ السَّكْرَانُ بِالرَّائِحَةِ فَإِنَّ الرِّيحَ جَذَبَتْهَا إلَى دَاخِلٍ فَزَالَ الْغِشَاءُ فَمِنْ حِينِ زَوَالِهَا يُدْرِكُ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَمُرُورُ الرَّائِحَةِ فِيهِ كَمُرُورِهَا فِي الْحَائِطِ وَالْجَبَلِ ، وَإِذَا أَدْرَكَ الْمَجْنُونُ فَفِيهِ عَقْلٌ ، بَقِيَّةٌ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَخِيرِ بِأَنَّ الْبَهَائِمَ تَحُسُّ وَلَا عَقْلَ لَهَا الْجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لَهَا تَمْيِيزًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ وَهُوَ عَقْلٌ لَهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ كَعَقْلِ الصَّبِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَالسَّمْعُ قُوَّةٌ رُتِّبَتْ فِي الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ عَلَى سَطْحِ بَاطِنِ الصِّمَاخَيْنِ بِهَا تُدْرَكُ الْأَصْوَاتُ ، وَالذَّوْقُ قُوَّةٌ مُثَبَّتَةٌ فِي الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ عَلَى جِرْمِ اللِّسَانِ ، وَالشَّمُّ قُوَّةٌ مُرَتَّبَةٌ فِي زَائِدَتَيْ مُقَدَّمِ الدِّمَاغِ الشَّبِيهَتَيْنِ بِلَحْمَتَيْ الثَّدْيَيْنِ ، وَاللَّمْسُ قُوَّةٌ سَارِيَةٌ فِي الْبَدَنِ بِهَا تُدْرِكُ الْمَلْمُوسَاتِ ، وَالْعَقْلُ عِنْدَنَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يُدْرِكُ الْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ .
وَزَعَمَتْ فَلَاسِفَةُ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْ الدِّمَاغِ وَأَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ تُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الْبَاطِنَةِ أَوَّلَاهَا الْحِسُّ الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ الْقُوَّةُ الَّتِي تَرْتَسِمُ فِيهَا الْجُزْئِيَّاتُ الْمُحَسَّاتُ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الظَّاهِرَةِ فَتُطَالِعُهَا النَّفْسُ ثُمَّ تُدْرِكُهَا وَهِيَ فِي مُقَدَّمِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مِنْ الدِّمَاغِ ، وَالثَّانِيَةُ الْخَيَالُ وَهِيَ قُوَّةٌ تَحْفَظُ تِلْكَ الصُّورَةَ بَعْدَ غَيْبَتِهَا عَنْ الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ فَهِيَ كَالْخِزَانَةِ لَهُ وَهِيَ فِي مُؤَخِّرِ