بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْأَفْعَالِ الْمُنْجِيَةِ مِنْ الْمَهْلَكَةِ أَيْ مِنْ الْهَلَاكِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ شَاذٌّ قِيَاسًا حَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ هَاءُ التَّأْنِيثِ ، وَقِيلَ: بِقِيَاسِهِ لِكَثْرَةِ مَا وَرَدَ مِنْهُ بِالتَّاءِ ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ وَاجِبَةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ مَكْرُوهَةً أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهَا ، لَا خُصُوصَ الْمُنْجِيَةِ مِنْ الْمَهْلَكَةِ ، إلَّا أَنَّ مُرَاعَاتَهَا سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ ، وَأَرَادَ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ التَّرْكَ كَتَرْكِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَإِنَّ تَرْكَ الْفِعْلِ يُسَمَّى فِعْلًا ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى { وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إثْمًا } وَقَوْلِهِ: { وَمَنْ يَكْسِبْ إثْمًا } وَقَوْلِهِ: { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } وقَوْله تَعَالَى: { يَكْسِبُونَ } وَقَوْلِهِ: { كَسَبُوا } وَقَوْلِهِ: { كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ } فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ تَرْكَ الْفَرْضِ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الْحَجِّ وَتَرْكِ الزَّكَاةِ ، وَسُمِّيَ تَرْكُ النَّهْيِ صُنْعًا فِي قَوْله تَعَالَى: { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ فِي بَابِ: نَوَاقِضِ الصَّلَاةِ مِرَارًا: أَنَّ السُّكُوتَ فِعْلٌ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ التَّرْكُ فِعْلًا لِضِدِّهِ سُمِّيَ فِعْلًا كَتَرْكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِهَا أَوْ سُكُونٌ ، وَالسُّكُونُ لُبْثٌ وَهُوَ فِعْلٌ ، فَإِنَّ كُلَّ سَكْنَةٍ دَقِيقَةٍ غَايَةَ الدِّقَّةِ هِيَ عَلَى حِدَّتِهَا عَرَضٌ فَهِيَ فِعْلٌ لِأَنَّهُ عَرَضٌ صَدَرَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ، وَالْجِسْمُ لَا يَفْعَلُ جِسْمًا بَلْ يَفْعَلُ عَرَضًا .
قُلْتُ: إذَا أَحَبَّتْ نَفْسُكَ شَيْئًا فَتَرَكْتَهُ فَتَرْكُكَهُ فِعْلٌ لِأَنَّكَ جَبَذْتَهَا عَنْهُ وَأَعْرَضْتَ عَنْ فِعْلِهِ ، وَفِي السُّؤَالَاتِ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ حَرَكَةٌ وَسُكُونٌ مِنْ سُؤَالِ 84 ، وَقِيلَ: لَا يُسَمَّى التَّرْكُ فِعْلًا ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ تَرْكَ اللَّهِ فِعْلٌ تَارَةً وَغَيْرُهُ أُخْرَى ، فَتَرْكُهُ إذْلَالَنَا