بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ ( يَكُونُ ابْتِدَاءُ فِتْنَةٍ بِتَنَازُعٍ ) فِي أَمْرٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ لَمْ يُصِبْ الْحَقَّ فِيهِ هَذَا وَلَا هَذَا ، أَوْ أَصَابَهُ أَحَدُهُمَا وَكِلَاهُمَا مُفْتِنٌ ، الْمُخْطِئُ لِخَطَئِهِ وَالْمُصِيبُ لِتَعَدِّيهِ ، أَوْ مُبَاحٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ ( وَتَدَاعٍ بِقَبَائِلَ ) يَا آلَ فُلَانٍ ، وَيَا بَنِي فُلَانٍ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَمَا فُعِلَ بِي كَذَا إلَّا لِقِلَّةِ أَوْلِيَائِي ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُثِيرُ السَّاكِنَ الَّذِي يَسْمَعُ أَوْ يُوصِلُ إلَيْهِ السَّامِعَ ( وَبِتَفَاخُرٍ بِآبَاءٍ وَأَكَابِرَ ) كَسَلَاطِينَ كُلٍّ ، وَبِخِصَالِ الْمَفَاخِرِ ، أَوْ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ .
قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: ( أَصْلُ الْفِتْنَةِ ) الْحَمِيَّةُ وَالْعَصَبِيَّةُ عَلَى غَيْرِ سَبِيلِ الْحَقِّ ، فَإِنْ قَامَ عَنْهُ الْقِتَالُ صَارَ قِتَالُهُمْ فِتْنَةً وَبَغْيًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ، وَيَكُونُ أَوَّلُ ابْتِدَائِهِمَا قِتَالًا حَرَامًا ، وَيَكُونُ أَوَّلُ قِتَالِهِمَا حَلَالًا لِبَعْضِ الْفَرِيقَيْنِ وَحَرَامًا عَلَى الْآخَرِينَ ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمَا أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ يَكُونُ حَرَامًا عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ حَلَالًا أَوَّلًا ( فَمَا ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَوْ جَوَابُهُ هُوَ قَوْلُهُ: فَهُوَ فِتْنَةٌ ( كَانَ أَصْلُهُ عَلَى حَمِيَّةٍ ) يَقَعُ عَلَى بَاطِلٍ ( وَتَعَصُّبٍ ) دُنْيَوِيٍّ شَبَّهَهُ بِالتَّعَصُّبِ بِالْعِمَامَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَنْفَعُ الرَّأْسَ ( كَتَنَازُعٍ وَتَفَاخُرٍ ) ، أَيْ ذِكْرِ أَمْرٍ عَظِيمٍ ، وَذَلِكَ تَجْرِيدٌ عَنْ بَعْضِ الْمَعْنَى ، فَذَكَرَ ذَلِكَ الْبَعْضَ بِقَوْلِهِ: ( عَلَى تَكَبُّرٍ بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ ) كَقَوْلِهِمْ: إنَّا مِمَّنْ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ ، أَوْ إنَّا لَا يَسْبِقُنَا أَحَدُنَا فِي فَتْحِ أَمْرِ بَلَدِ كَذَا أَوْ بَابِ كَذَا ، أَوْ إنَّا لَا نُصَدِّقُ نِسَاءَنَا دُونَ كَذَا ، أَوْ إنَّا حَسَنِيُّونَ أَوْ فَاطِمِيُّونَ أَوْ شُرَفَاءُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ حَقٌّ ، لَكِنَّ صَاحِبَهُ فَخَرَ أَوْ كَبَّرَ ، أَوْ مِمَّا هُوَ غَيْرُ حَقٍّ