قَهْرًا تَعَدِّيًا بِحِرَابَةٍ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ حِرَابَتِهِ ، كَأَخْذِ بَعْضِ الْمُوَحِّدِينَ أَمْوَالَ بَعْضٍ ، أَوْ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَمْوَالَ بَعْضٍ ، وَأَخْذِ كُلِّ مَالٍ لَا يَحِلُّ إذَا أَخَذَهُ بِقِتَالٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحِرَابَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى غَصْبًا بَلْ غُنْمًا .
( وَفِيهِ ) أَيْ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ ( قُصُورٌ ) لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ أَخْذُ الْحُرِّ مَعَ أَنَّهُ يُسَمَّى غَصْبًا ، وَالْجَوَابُ أَنَّ تَسْمِيَةَ أَخْذِ الْحُرِّ أَوْ الْحُرَّةِ غَصْبًا مَجَازٌ ، تَشْبِيهًا بِأَخْذِ الْأَمْوَالِ لِأَنَّ الْغَصْبَ مِنْ الْمَالِكِ ، وَالْحُرُّ لَا مَالِكَ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ أَخْذَ الْمَنْفَعَةِ مِثْلُ أَنْ يَسْكُنَ الدَّارَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ صَاحِبِهَا أَوْ غَيْرِهِ بِلَا رِضًى مِنْ صَاحِبِهَا ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا دَاخِلٌ بِقَوْلِهِ: أَخْذُ مَالٍ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِأَخْذِ الْمَالِ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْهُ كُلِّهِ أَوْ مِنْ بَعْضِهِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ أَوْ بَعْضِهَا أَوْ الْعَمَلِ فِيهِ لِمَا يُمْنَعُ صَاحِبُهُ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِ أَوْ فِي بَعْضِهِ لَوْ أَرَادَ الْعَمَلَ ، وَقَدْ أَفْصَحَ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ: الْغَصْبُ أَخْذُ رَقَبَةِ الْمَالِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ دُونَ حِرَابَةٌ .
فَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: عَنْ غَيْرِهِ تَعَدِّيًا ، أَوْ يُجَابُ بِأَنَّ أَخْذَ الْمَنْفَعَةِ لَا يُسَمَّى عِنْدَهُ غَصْبًا ، وَكَذَا أَخْذُ الْحُرِّ ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْغَصْبُ أَخْذُ مَالٍ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ظُلْمًا قَهْرًا لَا بِخَوْفِ قِتَالٍ ، قَالَهُ الرَّصَّاعُ: أَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: مَالٍ ، غَيْرَ الْمَالِ كَأَخْذِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ ، وَإِنْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ غَصْبًا فَلَيْسَ بِمَغْصُوبٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ اصْطِلَاحًا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ ، قَالَ مَيَّارَةُ: اصْطِلَاحُهُمْ أَنْ يُعَبِّرُوا عَلَى ذَلِكَ بِالِاغْتِصَابِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَاصِمٍ:"فَصْلٌ"فِي الِاغْتِصَابِ: وَوَاطِئٌ لِحُرَّةٍ مُغْتَصِبَا صَدَاقُ مِثْلِهَا عَلَيْهِ وَجَبَا وَقَوْلُهُ: غَيْرِ مَنْفَعَةٍ