بَابٌ فِي السُّتْرَةِ ( وَجَبَ عَلَى مُصَلٍّ ) إذَا تَيَقَّنَ مَجِيءَ مُفْسِدٍ أَوْ رَجَحَ حَمْلًا لِلْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ لِقَيْدِ التَّيَقُّنِ أَوْ الرُّجْحَانِ لِلْمُفْسِدِ فِي قَوْله: { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ سَيْفًا الْحَدِيثَ } ، وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا لِلْوُجُوبِ ، لَكِنْ إنْ لَمْ يَجْعَلْ السُّتْرَةَ لَمْ تَفْسُدْ إنْ لَمْ يَحْدُثْ مَا يُفْسِدُهَا ، وَفِي الْقَوَاعِدِ": إنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ السُّتْرَةِ ، فَلَعَلَّ وَجْهَ الْوُجُوبِ مَا إذَا تَيَقَّنَ مَجِيءَ مُفْسِدٍ أَوْ تَرَجَّحَ كَمَا ذَكَرْتُ أَوَّلًا وَالِاسْتِحْبَابُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ، كَمَا رُوِيَ"أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَّى إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ } وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: وَجَبَ عَلَى مُصَلٍّ إلَخْ ، الْكِنَايَةُ عَنْ وُجُوبِ حِفْظِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ لَازِمُ مَعْنَى الْكِنَايَةِ ، أَوْ وَجَبَ بِمَعْنَى تَأَكَّدَ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ } ، أَيْ مُتَأَكِّدًا ، وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ } ، فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُوجِبُ عَلَى جَارِ الْمَسْجِدِ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا ، بَلْ الْمُرَادُ تَأَكُّدُ صَلَاتِهِ فِيهِ أَوْ الْوُجُوبُ اللُّغَوِيُّ ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً مَجَازًا عُرْفِيًّا خَاصًّا ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ اللُّزُومِ ، وَالْقَرِينَةُ مَا ذَكَرَ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى بِلَا سُتْرَةٍ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ، وَالدَّاعِي إلَى التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ التَّلْوِيحُ إلَى التَّأْكِيدِ ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْوَهْبِيَّةُ قِيلَ: لَزِمَتْ الْحُجَّةُ لَا اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ السُّتْرَةَ بِجَعْلِهَا مَعَ نِيَّتِهَا أَوْ بِوُجُودِ مُنْتَصَبٍ قِيلَ وَيَنْوِيه سُتْرَةً كَمَا يَنْوِي السَّارِيَةَ ، وَأَمَّا مَا وُجِدَ وَلَمْ يَنْوِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ ( جَعَلَ كَعَصًا أَوْ سَيْفٍ