وإن ذلك ليس للمحبة ولا للرضا عنِ كفره، ولكنه لاستدراجه إذا لم يرشد ويهتد كما قال تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُفم مِّنْ حيْثُ لَا يَعْلَمونَ وَأملِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) ، ولذا قال سبحانه، بعد أن نبه خليله إبراهيم إلى أنه يرزق الكافر (فَأُمتِّعُهُ قَلِيلًا) أي أعطيه المتعة أمدا قليلا، وهو ما يكون في الدنيا، والدنيا مهما طالت أمد قليل بالنسبة للآخرة التي هي الباقية الخالدة، وعذابها خالد، ونعيمها مقيم، (ثُمَّ أَضْطَرّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ) والعطف بـ (ثُمَّ) هنا، للدلالة على تفاوت ما أعطاه من رزق وما ادخره من عذاب، واضطره معناها أُلجئه وأسوقه إلى جهنم سوقا، كما قال: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) ، أي يدفعون دفعا،
وكما قال تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذوقُوا مَسَّ سَقَرَ) . وبذلك ينالهم عذاب الحرمان، والإلجاء إلى جهنم فاقدي الاختيار؛ لأنه جزاءً وفاقًا لما قدموا، والثاني النار الدائمة كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها، جنَّبنا الله عقابه، وغفر الله لنا، وكتب ثوابه.
بناء الكعبة
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)
كان بناء الكعبة من الكلمات التي اختبر الله تعالى بها نبيه إبراهيم، فقد قلنا إن المراد من الكلمة مدلولاتها من أمر ونهي، ونحوها، وقد أمر الله تعالى نبيه إبراهيم ببناء الكعبة لتكون المزار، وبها نسك الحج؛ ولذا قال تعالى: