ولهذا جُعل له فِي هذا الوقت إِذا تمسّك بدينه أَجرُ خمسين من الصّحابة ، ففى سُنَن أَبى داود من حديث أَبى ثعلبة الخُشَنيّ قال: سأَلت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} فقال:"بل ائتمِروا بالمعروف وتناهَوْا عن المنكَر ، حتى إِذا رأَيت شُحّا مطاعاً ، وهوًى متَّبَعا ، ودُنْيا مؤثَرة ، وإِعجاب كلّ ذي رأى برأيه ، فعليك بنفسك ودع عنك العوامّ ، فإِنّ من ورائكم أَيّاما الصَّبْرُ فيهن كمِثل قَبْضٍ على الجمر ، للعامل فيهم أَجر خمسين رجلاً يعملون بمثله عمله."
قلت يا رسول الله أَجر خمسين منهم؟ قال: أَجْر خمسين منكم"."
وهذا الأَجر العظيم إِنما هو لُغربته بين الناس ، والتمسُّك بالدين بين ظُلمة أَهوائهم.
فإِذا أَراد أَن يسلك هذا الصراط فليوطّن نفسه على قدح الجهّال وأَهل البدع وطعنهم عليه ، وإِزرائهم به ، وتنفير النّاس عنه ، وتحذيرهم منه ، كما كان الكفّار يفعلون مع متبوعه وإِمامه.
فأَمّا إِن دعاهم إِلى ذلك وقدح فيما هم عليه فهناك تقوم قيامتهم ، ويتغوّلون له الغوائل ، وينصبون له الحبائل ، ويُجلبون عليه بخيلهم ورَجْلهم.
فهو غريب فِي دينه لفساد أَديانهم ، غريب فِي تمسّكه بالسّنة لتمسّكهم بالبدعة ، غريب فِي اعتقاده لفساد عقائدهم ، غريب فِي صلاته لسوءِ صلاتهم ، غريب فِي معاشرته لأَنه يعاشرهم على مالا تهوى أَنفسهم ، وبالجملة فغريب فِي أُمور دنياه وآخرته ، لا يجِد له مساعداً ولا مُعيناً.
فهو عالِم بين قوم جهّال ، صاحب سُنّة بين أَهل بِدَع ، داع إِلى الله
ورسوله بين دُعَاة إِلى الأَهواءِ والبدع.
وثَمّ غربة مذمومة وهي غربة أَهل الباطل بين أَهل الحقّ ، فهم وإن كثروا عددًا قليلون مَدَدا.
وثمّ غربة لا تحمد ولا تذمّ.
هى الغربة عن الوطن ، فإن الناس كلّهم فِي هذه الدنيا غرباء فإنّها ليست بدار مُقام ، ولا خُلِقوا لها.