(وَإِنْ مَنَعُونَا أَنْ نَجُوزَ بِأَرْضِهِمْ ... وَلَمْ يَسْمَعُوا الشَّكْوَى وَرَدُّوا التَّوَسُّلا)
(أَشَرْنَا بِتَسْلِيمٍ وَإِنْ بَعُدَ الْمَدَى ... إِلَيْهِمْ وَكَلَّفْنَا الرِّيَاحَ لِتَحْمِلا)
(فصل الانقطاع إلى الله)
كنت في بداية الصبوة، قد ألهمت سلوك طريق الزهاد، بإدامة الصوم والصلاة.
وحببت إلي الخلوة. فكنت أجد قلباً طيباً. وكانت عين بصيرتي قوية الحدة تتأسف على لحظة تمضي في غير طاعة، وتبادر الوقت في اغتنام الطاعات .. ولي نوع أنس، وحلاوة مناجاة!!.
فانتهى الأمر إلى أن صار بعض ولاة الأمور يستحسن كلامي، فأمالني إليه، فمال الطبع، ففقدت تلك الحلاوة.
ثم استمالني آخر فكنت أتقي مخالطته ومطاعمه، لخوف الشبهات. وكانت حالتي قريبة.
ثم جاء التأويل فانبسطت فيما يباح، فانعدم ما كنت أجد من استنارة وسكينة.
وصارت المخالطة توجب ظلمة في القلب إلى أن عدم النور كله.
فكان حنيني إلى ما ضاع مني يوجب انزعاج أهل المجلس، فيتوبون ويصلحون، وأخرج مفلساً فيما بيني وبين حالي.
وكثر ضجيجي من مرضي، وعجزت عن طب نفسي، فلجأت إلى قبور الصالحين، وتوسلت في صلاحي، فاجتذبني لطف مولاي إلى الخلوة على كراهة مني، ورد قلبي علي بعد نفور عني، وأراني عيب ما كنت أوثره.
فأفقت من مرض غفلتي! وقلت في مناجاة خلوتي: سيدي كيف أقدر على شكرك؟ وبأي لسان أنطق بمدحك؟ إذ لم تؤاخذني على غفلتي، ونبهتني من رقدتي وأصلحت حالي على كره من طبعي.
فما أربحني فيما سلب مني إذا كانت ثمرته اللجأ إليك!.
وما أوفر جمعي إذ ثمرته إقبالي على الخلوة بك.
وما أغناني إذ أفقرتني إليك، وما آنسني إذ أوحشتني من خلقك.
آه على زمان ضاع في غير خدمتك! أسفاً لوقت مضى في غير طاعتك.
قد كنت إذا انتبهت وقت الفجر لا يؤلمني نومي طول الليل.
وإذا انسلخ عني النهار لا يوجعني ضياع ذلك اليوم.
وما علمت أن عدم الإحساس لقوة المرض.
فالآن قد هبت نسائم العافية، فأحسست بالألم فاستدللت على الصحة.
فيا عظيم الإنعام تممم لي العافية.
آه من سكر لم يعلم قدر عربدته إلا في وقت الإفاقة.
لقد فتقت ما يصعب رتقه، فواأسفاً على بضاعة ضاعت، وعلى ملاح تعب في موج الشمال مصاعداً مدة، ثم غلبه النوم فرد إلى مكانه الأول.
يا من يقرأ تحذيري من التخليط فإني - وإن كنت نفسي بالفعل، نصيح لإخواني بالقول - احذروا - إخواني من الترخص فيما لا يؤمن فساده.