"فكان هذا أبلغَ في عموم السلب، ثم إنه لَمَّا نفى عن نفسه العيب الذي وصفوه به، ووصف نفسَه بأشرف الصفات وأجلِّها، وهو كونُه رسولاً إلى الخلق من رب العالمين، فذكر المقصود من الرسالة، وهو التبليغ والنصيحة"أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ" [الأعراف: 62] ، والفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة، هو أن تبليغ الرسالة معناه أن يُعرِّفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه، وأما النصيحة، فهي أن يُرغِّبه في الطاعة، ويحذره من المعصية، ويسعى في تقرير ذلك بالترغيب والترهيب بأبلغ الوجوه" [5] .
وهؤلاء الملأ مِن عِليَة القوم وصَفْوة المجتمع، أصحاب المصالح، أعداء الإصلاح - اتَّهموا نوحًا عليه السلام بأنه ما اتَّبعه إلا الفقراء والعوامُّ وأصحاب الحِرَف، وطلبوا منه أن يطردَهم؛ ليكون المجلس مجلسَ الملأ، فهم الذين يملؤون القلوب هيبة، والمجالسَ أبَّهة، ولا يليق أن يجالسهم الأراذل، يقول الله - عز وجل:"فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ" [هود: 27] .
يقول الرازي:
"طعنوا في نبوَّته بثلاثة أنواع من الشبهات:"
الأولى: أنه بشر.
الثانية: كونه ما اتَّبعه إلا أراذل من القوم كالحياكة وأهل الصنائع، قالوا: ولو كنت صادقًا، لاتَّبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.
ونظيره قولُه تعالى:"قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ" [الشعراء: 111] .
الشبهة الثالثة: لا نرى لكم علينا من فضل؛ لا في العقل، ولا في رعاية المصالح العاجلة، ولا في قوة الجدل ..." [6] ."
أما الرد على هذه الاتهامات وتلك الشبهات، فقد سجَّله القرآن الكريم في قوله تعالى: