وبهذا تعمَّقت جذور الكفر، وتأصَّلت عبادة الأصنام في عقول وقلوب الناس بفعل الإضلال الشيطاني؛ ليتبيَّن لنا أن زرع الأفكار وبناء العقائد أو تغييرها لا يمكن أن يتم فجأة أو دفعة واحدة؛ وإنما يكون على مراحل وبتدرج.
ولهذا؛ كانت المهمة صعبةً، والظروف قاسية بالنسبة لنوح عليه السلام، فلقد ظل يدعو قومه ليلاً ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، ومكث بين قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وأستطيع بعون الله تعالى أن أُحدِّد مراحل دعوة نوح عليه السلام موضحًا خصيصة التدرج فيما يلي:
1 -البَدْء بتوحيد الله - عز وجل - ونبذ عبادة الأصنام.
2 -مواجهة الملأ الذين تصدَّوا لدعوته.
3 -طول أمد الدعوة؛ مما استدعى تنويع أساليبها وتدرجها من استعمال الرفق واللين والترغيب، ثم التأنيب والتوبيخ، ومواجهة ذلك منهم بالاستخفاف والاستهزاء والسخرية، وتعرُّضه للمساومة كي يَطرُدَ المؤمنين الفقراء.
4 -اليأس من إيمانهم بعد إخبار الله تعالى له والدعاء عليهم.
5 -هلاك المكذِّبين.
مراحل دعوة نوح عليه السلام:
1 -المرحلة الأولى: وهي الدعوة إلى التوحيد:
سبق أن ذكرتُ أن أرض الدعوة كانت وثنيةً، فالقوم يعبدون عدَّة آلهة، وقد وجدوا على ذلك آباءهم وأجدادهم، حتى كان الآباء يُوصُون أبناءهم بالتمسُّك بعبادة تلك الأصنام وعدم التخلِّي عنها، وعلِم ذلك نوحٌ عليه السلام؛ حيث قال في دعائه:"وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا" [نوح: 27] .
ذكر الرازي:"وكان الرجل منهم ينطلقُ بابنِه إليه، ويقول: احذر هذا؛ فإنه كذَّاب، وإن أبي أوصاني بمثل هذه الوصية، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك" [2] .
ونتجه إلى سورة الأعراف؛ لنتعرَّف على بعض مراحل الدعوة، وأولها الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، قال تعالى:"فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم" [الأعراف: 59] .
يقول الرازي:"في الآية فوائد:"
1 -أنه عليه السلام أمرهم بعبادة الله تعالى.
2 -أنه حكم أن لا إله إلا الله، والمقصود من الكلام الأول إثبات التكليف، والمقصود من الكلام الثاني الإقرار بالتوحيد.