إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ إن لكل من اتقى الله وأطاعه، في الدار الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص الذي لا يزول ولا ينقضي، ولا يكدره شيء.
قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفار مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضلنا عليكم في الدنيا، فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل، فلا أقل من المساواة.
ثم أجاب الله تعالى عن هذا الكلام بقوله:
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ؟ أي كيف نساوي بين الفريقين في
الجزاء، فنجعل من يلتزم الطاعة كمن هو فاجر مجرم عاص لا يبالي بمعصيته؟
كلا فلا تسوية بين المطيع والعاصي.
ثم نفى الله تعالى وجود كل الأدلة العقلية أو النقلية التي تصلح لإثبات التسوية أو تحقيق الدعوى، فقال:
1 -ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟ أي كيف تظنون ذلك، وتحكمون هذا الحكم الأعوج، كأن أمر الجزاء مفوّض إليكم؟ إن أبسط مبادئ العقل وأصول الرأي يمنع مثل هذا الظن أو الحكم. وهذا نفي الدليل العقلي.
2 -أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ أي بل ألكم أو بأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه، يتضمن حكما مؤكدا كما تدعونه، وتقرؤون فيه، فتجدون المطيع كالعاصي؟! وهل في ذلك الكتاب أن لكم في الآخرة ما تختارون وتشتهون؟ وهذا نفي الدليل النقلي.
3 -أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ أي بل ألكم أو معكم عهود عند الله موثقة مؤكدة ثابتة إلى يوم القيامة في أن يدخلكم الجنة، ويحصل لكم ما تريدون وتشتهون، وينفّذ لكم الحكم الذي تصدرونه؟
وهذا نفي الوعد الإلهي بما توقعوا وظنوا.
4 -سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أي قل لهم يا محمد موبخا لهم ومقرّعا: من هو المتضمن المتكفل بهذا، أو أيهم بذلك كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها؟
5 -أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ أي بل ألهم شركاء لله بزعمهم من الأصنام والأنداد قادرون على أن يجعلوهم مثل المسلمين في الآخرة؟