والكيد كالمكر، وهو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.
وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.
والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكل أمرهم إليّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم في أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدي الشديد القوى، الذي لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء ..
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» .
وقال الحسن البصري: كم من مستدرج بالإحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.
قال الآلوسي: وقوله سَنَسْتَدْرِجُهُمْ .. استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.
وقوله: مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.
وقوله: وَأُمْلِي لَهُمْ أي: وأمهلهم ليزدادوا إثما. إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: لا يدفع بشيء.