-تأملات في سورة تبارك
أ. د. سلامه عبد الهادي
أستاذ في علوم إدارة الطاقة وعميد سابق للمعهد العالي للطاقة بأسوان
نقف هنا أمام أول أربع آيات من سورة الملك وهي آيات تسوق الأدلة والبراهين العقلية والعلمية والمنطقية بما نراه من حولنا أنه لا إله إلا الله ...
حقيقة ناصعة وظاهرة جاءت بالكلمات والمعاني والآفاق التي لا يقدر على سبر أغوارها أهل الأرض ولو اجتمعوا لها ... يقول الحق: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير.
أول ما تبدأ به هذه الآيات هو أن هذا الكون بما فيه ومن فيه هو ملك لله الواحد الأحد ... ثم إن إدارة هذا الملك له وحده ... وكما أن كل سيارة أو باخرة أو طائرة لها مالك مسئول عنها وقائم على قيادتها وتسييرها ... فكذلك هذا الكون المترامي الأطراف والمتسع اتساعاً لا نهائياً وما فيه من بلايين المجرات والنجوم والكواكب التي تسير في أفلاك محددة لا تخرج عنها ... ومن مخلوقات وأرزاق ورياح وسحاب يسير كل منها بقدر محسوب ومنتظم .. يعلن سبحانه أنه هو وحده مالك هذا كله والقائم عليه وبيده تسير أموره وأن كل هذا الانتظام في الخلق والدقة في تسيير هذا الكون تتم بإرادته ... فهو الخالق الواحد الأحد مالك الملك ... وقد جاءت هذه الآية في البداية بهذا القول الجامع لتؤكد هذه الحقيقة الناصعة الآخذة في الحق ...
"تبارك الذي بيده الملك"... نعم .. تباركت يا ربنا وتعاليت ... فكم تعطلت السيارة وكم جنحت الباخرة وكم تحطمت الطائرة .. ولكن ملكك على اتساعه ولا نهائيته لا يتعطل ولا يجنح ولا يتحطم ... فكل شيء يسير بانتظام وامتثال والتزام لأن له مالك قدير وعزيز وعظيم قائم عليه ومهيمن على أدائه يعلن عن نفسه بهذه الكلمات المحددة في خاتم كتبه ... فمن ينظر إلى الأرض بجمالها وامتدادها واتساعها ودورانها ... وإلى الشمس واحتراقها وجريها وضيائها ... وإلى النجوم والبروج والمجرات وحارات الكون اللانهائية ... يجد الالتزام والانتظام في كل هذا الكون ... يشعر حقا أنه أمام مالك عظيم واحد أحد لا يسير كل هذا إلا بعظمته ورحمته وقدرته التي لا تحدها حدود ... وحتى لا يضل العقل البشرى في عصرنا هذا الذي تتكشف بعلومه بعض الأسرار ونحاول أن نضع نظريات طائشة دون إثبات جاء هذا الإعلان في سر هذا الانتظام بهذا القول القرآني الشامل والمعجز والبديع ..
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ...