وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَمْ هُمُ الْجَبَّارُونَ الْمُتَسَلِّطُونَ الْمُسْتَكْبِرُونَ عَلَى اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسَيْطِرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْجَبَّارُ الْمُتَسَلِّطُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}
يَقُولُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ مُسَلَّطٍ.
وَقَوْلُهُ: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ}
يَقُولُ: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَرْتَقُونَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ الْوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هُنَالِكَ مِنَ اللَّهِ أَنَّ الَّذِيَ هُمْ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَهُمْ بِذَلِكَ مُتَمَسِّكُونَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}
يَقُولُ: فَإِنْ كَانُوا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلْيَأْتِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ اسْتَمَعَ ذَلِكَ فَسَمِعَهُ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، يَعْنِي بِحُجَّةٍ تُبَيِّنُ أَنَّهَا حَقٌّ، كَمَا أَتَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا عَلَى حَقِيقَةِ قَوْلِهِ، وَصِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَالسُّلَّمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: السَّبَبُ وَالْمِرْقَاةُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
لَا تُحْرِزِ الْمَرْءَ أَحْجَاءُ الْبِلَادِ وَلَا ... تُبْنَى لَهُ فِي السَّمَاوَاتِ السَّلَالِيمُ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: جَعَلْتُ فُلَانًا سُلَّمًا لِحَاجَتِي: إِذَا جَعَلْتَهُ سَبَبًا لَهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ: أَلِرَبِّكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ؟ ذَلِكَ إِذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزَى.
وَقَوْلُهُ: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَسْأَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ثَوَابًا وَعِوَضًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَهُمْ مِنْ ثِقَلِ مَا حَمَّلْتَهُمْ مِنَ الْغُرْمِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِجَابَتِكَ إِلَى مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.
عَنْ قَتَادَةَ، يَقُولُ: «هَلْ سَأَلْتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَجْرًا يُجْهِدُهُمْ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ الْإِسْلَامَ»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَقُولُ: «أَسَأَلْتَهُمْ عَلَى هَذَا أَجْرًا، فَأَثْقَلَهُمُ الَّذِي يُبْتَغَى أَخْذُهُ مِنْهُمْ»