من جهة جعله (نبك) جوابا للأمر، و (من) معدية على ذكرى، وهكذا. فإذا تمهدت هذه القاعدة فالبلاغة إنما تحصل بتأليف الكلام ونظمه وإعطائه ما يستحقه من الإعراب، وإعمال العوامل، وتوخي جميع معاني النحو ومجاريه التي يستحقها.
القاعدة الخامسة: في معرفة الفصيح:
لا يعدو الكلام الفصيح قسمين:
أحدهما: المفردات التي فيها مجاز واتساع كقول ابن هرمة:
"ولا أبتاع إلا قريبة الأجل"
ومراده أنه لا يشتري بعيرا أو شاة إلا للأضياف.
وفي هذا القسم تعزى المزية على اللفظ ويدخل فيه الكناية والاستعارة وغيرها.
وقول بعضهم: إنَّ الكلام يكونُ فصيحاً من أجل مزيَّةٍ تكون في معناه، يرده أن يكونَ تفسيرُ الكلامِ الفصيحِ فصيحاً مثلَه، وهذا خطأ، فقول ابن هرمة هنا من الكناية المطلوب بها إثبات صفة فالشاعر يريد وصف نفسه بأنه مضياف، وهذا ليس كما لو قال: هو مضياف.
الثاني: ما تعزى المزية منه على النظم وهو الذي عقد له الركن الثاني، وهو غرضنا في هذا الفن.
وقد توصف الكلمة بالفصاحة لكونها أكثر استعمالا كـ"ينمى"مع"ينمو".
القاعدة السادسة: في بيان قوة اللفظ لقوة المعنى
إذا كان اللفظ على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أكثر منه فلا بد من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولاً.
لأن الألفاظ أدلة على المعانيِ وأمثلة للإبانة عنها، فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعانيِ، وهذا النوع لا يستعمل إلا في مقام المبالغة.
ومما ينتظم بهذا السلك"قدر، واقتدرِ"فمعنى"اقتدر"أقوى من معنى"قدر"قال الله تعالى: {فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر}
فمقتدر ههنا أبلغ من قادرِ، وإنما عدل إليه للدلالة على تفخيم الأمر وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن قوة الغضب، أو للدلالة على بسطة القدرةِ فإن المقتدر أبلغ في البسطة من القادرِ، وذاك أن مقتدراً اسم فاعل من اقتدرِ، وقادر اسم فاعل من قدرِ، ولا شك أن افتعل أبلغ من فعل.