ومنه قوله تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} قد يظن أن الدعاء هنا بمعنى النداء فلا يقدر محذوف، وليس هذا هو المعنى، لأنه لو كان هو المعنى للزمه إما الإشراك أو عطف الشيء على نفسه، لأنه إن كان مسمى أحدهما غير مسمى الآخر لزم الأول، وإن كانا مسماهما واحدا لزم الثاني وكلاهما باطل فالدعاء في الآية بمعنى التسمية التي تتعدى إلى مفعولين أي سموه الله أو الرحمن أيا ما تسموه فله الأسماء الحسنى.
ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} بغيرِ تنوين وذلك أنَّهم قد حَملوها على وجهينِ:
أن يكونَ القارئُ له أرادَ التنوينَ ثم حَذَفه لالتقاءِ الساكَنْين ولم يحركه كقراءة من قرأ: {قُلْ هوَ اللهُ أحدُ اللهُ الصَّمدُ} بتركِ التَنوين من"أحد".
أن يكون الابنُ صفةً ويكونَ التنوينُ قد سقط على حدِّ سقوطه في قولنا: جاءني زيدُ بنُ عمرٍو ويكونَ في الكلام محذوف.
ثم اختلفوا في المحذوف فمنهم من جعله مبتدأ فقدّر"وقالتِ اليهودُ هو عُزيرُ ابنُ الله".
ومنهم من جَعَله خبراً فقدَّر وقالت اليهودُ:"عزيرُ ابنُ الله معبودنا"وهذا خطأ فادح، لأنه إذا قيل:"زيد الفقيهُ قد قَدِم"فقلتَ له: كذبتَ أو غلطتَ لم تكن قد أنكرتَ أن يكون زيدٌ فقيهاً ولكن أن يكون قد قدم، الإِثباتُ والنفيُ يتناولان الخبرَ دونَ الصفة، فعلى هذا سيكون معنى الآية إثبات ابن لله، وأن الإنكار إنما توجه لجعله معبودا وهذا شيء عظيم.
القاعدة الرابعة: في جهة إضافة الكلام على قائله:
كل نظم أو نثر ليس مضافا إلى مؤلفه من جهة كونه واضعا لكلماته بل من جهة توخي معاني النحو في معاني الكلم.
فليس قائل الشعر قائلا من حيث نطق بالكلم إذ يساويه الحاكي في ذلك، وإنما كان امرؤ القيس قائلا:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل