وإذا سمعت مقولة:"الطباع لا تتغير"ثم سمعت قول المتنبي:
يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل
علمت بالضرورة أن لهذا المعنى في هذا الشعر من المزية والجمال ما هو غير حاصل له في الكلام الأول.
القاعدة الثانية: في دلالة الكلام:
كل كلام معناه مستفاد منه كـ:"خرج زيد"أو من دلالة معناه نحو:"نؤوم الضحى"ومدار هذا الضرب على الكناية والاستعارة والتمثيل فالأول معنى اللفظ والثاني معنى معنى اللفظ.
ونعني بالمعنى: المفهوم من ظاهرِ اللفظِ والذي تصِلُ إليه بغيرِ واسِطَة، فظاهر قولنا:"خرج زيد"إثبات الخروج لزيد بمجرد ألفاظ هذه الجملة.
أما معنى المعنى فهو أن تعقِلَ من اللفظِ معنًى ثم يُفْضي بكَ ذلكَ المعنى إِلى معنًى آخر، فقولنا:"فلانة نؤوم الضحى""المرادُ أنها مترفةٌ مخدومةٌ لها مَن يَكفيها أمرَها، فقد أرادنا معنىً ثم لم نذكرُه بلفظِه الخاصَّ به ولكننا توصَّلنا إليه بذكرِ معنىً آخر."
القاعدة الثالثة: كل لفظ تابع لمعناه:
يظن البعض أن المعاني تبع للألفاظ حيث رأى المعاني تقعُ في نفسِه بعدِ وقوعِ الألفاظِ في سَمْعِه.
لكن لما رأينا المعاني قد جاز فيها التغيّر من غيرِ أن تتغيَّر الألفاظ وتزولَ عن أماكِنها علمنا أن الألفاظَ هي التابعةُ والمعاني هي المَتْبوعة، وعليه فإن المعنى يقضي على اللفظ بالحذف والإضمار والزيادة ليتم المعنى أو يصح، كما في قول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
التقدير: بنو أبنائنا بنونا كما أرشد إلى ذلك المعنى.