في الالتفات
الالتفات مأخوذ من التفات الإنسان عن يمينه وشمالهِ فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصةِ، لأنه ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة كالانتقال من خطاب حاضر إلى غائبِ، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبلِ، أو من مستقبل إلى ماضِ أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلاً
وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الرجوع من الغيبة إلى الخطابِ ومن الخطاب إلى الغيبة:
اعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب وعن الخطاب إلى الغيبةِ قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامها، وهذا القول غير سديد، لأننا إنما نسأل عن السبب الذي قصدت العرب ذلك من أجله.
وقال الزمخشري: إن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلامِ والانتقال من أسلوب إلى أسلوبِ تطرية لنشاط السامعِ، وإيقاظاً للإصغاء إليه.
وليس الأمر كما ذكره، لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم يكن إلاّ تطرية لنشاط السامع وإيقاظاً للإصغاء إليهِ فإن ذلك دليل على أنّ السامع يمل من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره ليجد نشاطاً للاستماع، وهذا قدح في الكلامِ لا وصف له، لأنه لو كان حسناً لما مل.
ولو سلمنا للزمخشري ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام المطوّل، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطابِ، ومن الخطاب إلى الغيبةِ في مواضع كثيرة من القرآن الكريمِ، ويكون مجموع الجانبين مما يبلغ عشرة ألفاظِ أو أقل من ذلك.