المساواة هي: تأدية المعنى المراد بعبارة مساوية له، بأن تكون الألفاظ على قدر المعنى.
كقوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ} و {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} و {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} .
هكذا مثل بعضهم لهذا النوع، والذي يظهر أنه لا يوجد في القرآن إلا الإيجاز والإطناب فقط.
ولو تأملت في الأمثلة السابقة لوجدتها داخلة في نوع الإيجاز بما تحمله من معاني ودلالات كثيرة.
فلو أخذنا كلمة"خير"في الآية الأولى وجدناها نكرة تعم كل خير من صلاة وزكاة وصيام وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتجدها تطلق على كل خصلة أمر بها أو ندب إليها الإسلام عموما أم خصوصا، وزاد من قوة هذا الاستغراق ونصيته حرف الجر"من".
وكذلك الأمر في الآيتين الأخريين، فإنك تجد فيهما فوائد غزيرة ونكتا كثيرة.
وأحسب أنه لأجل هذا قسم بعضهم المساواة على نوعين: مساواة مع الاختصار ومثلوا له بقوله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} وثانيها: أن يكون المقصود المساواة.
ولي على هذا التقسيم مأخذان:
الأول: أنه لا داعي لكثرة التقسيمات إذا ما أمكن إدخال بعضها في بعض، وما أحسب كثرة تلكم التقسيمات حين تكثر وتطغى إلا مفسدة للذوق البياني والنقد البلاغي، وهذا ما نعاه الكثيرون على السكاكي ومن نحا نحوه.
فهذا الشيخ أكمل الدين البابرتي شرح تلخيص المفتاح وعتب على بعض تلك التقسيمات التي لا طائل من ورائها، كان ذلك عند كلامه على التشبيه.
الثاني: أنهم عندما ذكروا ذلكم القسمين مثلوا للأول من القرآن ومثلوا للثاني بأقوال، وفخموا من قدر الأول -الإيجاز بالاختصار- وسموا الثاني المتعارف.
وهذا يعني أن القرآن لا يمكن أن يكون من الثاني، وإذا كان من الأول، فلا يمكننا التفريق بوضوح بين هذا النوع من المساواة والإيجاز بل هو عند التحقيق نوع من الإيجاز، وإن أخرج منه وأدخل في مسمى آخر.
المبحث السادس