البيان والوضوح، فإنه يخرج المبهم إلى الإيضاح والملتبس إلى البيان ويكسوه حلة الظهور بعد خفائه، والبروز بعد استتاره، وهذا كقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة:17] تقديره: أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة بمفازة فاستضاء بها ما حوله فاتقى ما يخاف وأمن فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلما خائفا وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار بها واعتز بعزها وأمن على نفسه وماله وولده، فإذا مات عاد إلى الخوف وبقي في العذاب والنقمة.
وكذلك قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ 19} يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا فهذان المثلان واردان في أهل النفاق، إيضاحا وبيانا لأمرهم فيما ظهر لهم من النور التام بالرسول- صلى الله عليه وسلم - وإعراضهم عنه، فشبه حالهم في ذلك بالمستوقد للنار وبالصيب الذي فيه الرعد والبرق كشفا لحالهم في النفاق، وإظهارا لأمرهم فيه، وهكذا إذا قلت:"زيد يفيض فيض البحر، ويقدم إقدام الأسد"فإنك بذكر هذا التشبيه قد أوضحت أمره في الكرم والشجاعة.
المبحث الخامس
الإيجاز والإطناب والمساواة
أولاً: الإيجاز:
الإيجاز هو: وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ اقل منها، وافية بالغرض المقصود مع الإبانة والإفصاح، والإيجاز والاختصار بمعنى واحد كقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} فهذه الآية جمعت مكارم الأخلاق بأسرها.
أقسام الإيجاز: