معنى الأحلام: العقول، والعقول حينما تأمرهم {بِهَذَآ ..} [الطور: 32] أي: بهذا العناد ومصادمة دعوة الله دليلٌ على فساد هذه العقول وفساد هذا التفكير، لأن العقول لو تُركَتْ للفطرة التي جُبلَت عليها ولو تحرَّرتْ من الأهواء ما انتهتْ إلا إلى الإيمان بالله ورسوله، وما وقفت هذا الموقف.
{أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الطور: 32] الحق سبحانه وتعالى كرر (أم) هنا في عدة مواضع ليعرض كلَّ المواقف والاحتمالات التي مرُّوا بها، ومعنى {طَاغُونَ} [الطور: 32] متجاوزون للحدِّ في الكفر وفي العناد ومصادمة الدعوة.
{أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ}
{تَقَوَّلَهُ ..} [الطور: 33] اختلقه وأتى به من عند نفسه، ولما لم تنطلِ هذه الفرية قالوا:
{إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ..} [النحل: 103] فردَّ الله عليهم
{لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] .
وهنا يرد عليه الحق سبحانه {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الطور: 33] يعني المسألة ليست مسألة قرآن من عند محمد، إنما المسألة أنهم لا يريدون أنْ يدخلوا ساحة الإيمان، هكذا ظُلْماً وعناداً واستكباراً عن قبول الحق دون نظر ودون تأمل أو تفكير.
فكلُّ هذه التهم التي حاولوا إلصاقها برسول الله أو بكتابه يعرفون أنها باطلٌ أتوْا بها من عند أنفسهم، ليصرفوا محمداً عن دعوته، وهم يعلمون أنه صادق، وأن القرآن حَقٌّ، وأنه من عند الله، لكنهم لا يريدون أنْ يؤمنوا.
لذلك يُعلّمهم الحق سبحانه كيفية التفكير السليم الموصِّل إلى الحق، فيقول لهم:
{قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ..} [سبأ: 46] .
أي: اتركوا التفكير الجماعي والكلام الجماهيري، لأنه لا يُوصِّل إلى الحق.
إذن: إذا فكرتم وأعملتم عقولكم بطريقة صحيحة فلابدَّ أنْ تصلوا إلى حقيقة، هي أن محمداً صادق فيما جاءكم به.
والقرآن لا يدعوهم إلى التفكر إلا إذا كان هذا التفكّر سيصل بهم إلى هذه الحقيقة، لذلك نقرأ كثيراً
{أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} [يس: 68]
{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3]
{أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] .