22 -وبعد أن ذكر وجوه النعيم فيما سلف ذكر أنّه يزيدهم على ذلك حينًا فحينًا مما يشتهون من فنون النعماء، فقال: {وَأَمْدَدْنَاهُمْ} ؛ أي: زدناهم على ما كان لهم من النعيم {بِفَاكِهَةٍ} متنوعة كثيرة. والفاكهة: هي الثمار كلها. والتنوين فيها للتكثير؛ أي: بفاكهة لا تنقطع كلما أكلوا ثمرة عاد مكانها مثلها. {وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} ؛ أي: من اللحوم التي يشتهونها ويستطيبونها، وإن لم يقترحوا ولم يطلبوا.
والمعنى: وزدناهم عل ما كان من مبادي التنعم وقتًا فوقتًا مما يشتهون من فنون النعماء، وضروب الآلاء. وذلك أنه تعالى لما قال: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ} ونفى النقصان يصدق بإيصال المساوى دفع هذا الاحتمال بقوله: {وَأَمْدَدْنَاهُمْ} ؛ أي: ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي بل بالزيادة على ثواب أعمالهم، والإمداد لهم.
و {ما} في {مِمَّا يَشْتَهُونَ} للعموم لأنواع اللحوم. وفي الخبر:"إنك لتشتهي الطير في الجنة فيخرُّ بين يديك مشويًّا". وقيل: يقع الطائر بين يدي الرجل في الجنة فيأكل منه قديدًا ومشويًّا، ثم يطير إلى النهر. وذكر الفاكهة واللحم دون أنواع الطعام الأخرى؛ لأنهما طعام المترفين في الدنيا.
23 -وبعد أن ذكر طعامهم أردفه بذكر شرابهم، وسرورهم لدى إحتسائهم له، فقال: {يَتَنَازَعُونَ} ؛ أي: يتعاطون {فِيهَاَ} ؛ أي: في الجنات، ويتداولون هم وجلساؤهم بكمال رغبة واشتياق. كما ينبئ عنه التعبير بالتنازع الذي هو التعاطي والتداول على طريق التجاذب. يعني: تجاذب الملاعبة لفرط السرور والمحبّة. وفيه نوع لذة. إذ لا يتصور في الجنة التنازع بمعنى التخاصم.
{كَأْسًا} ؛ أي: يتعاطون ويتناولون فيها كؤوسًا من خمر، ويتجاذبونها هم وجلساؤهم تجاذب ملاعبة كما يفعل الندامى في الدنيا فيما بينهم لشدّة سرورهم. والكأس: قدح فيه شراب، ولا يسمى كأسًا إلا إذا كان فيه شراب، كما لا يسمّى مائدة إلا إذا كان فيه طعام.
والمعنى: {كَأْسًا} ؛ أي: خمرًا تسمية لها باسم محلها.