والإسلام يعالج هذا كله في الجماعة التي يعدها لتحقيق منهج الله في الأرض في صورة عملية واقعة.
إنه يعالج مشكلة الأواصر القريبة، والعصبيات الصغيرة، وحرص النفوس على مألوفاتها الموروثة، ليخرج بها من هذا الضيق المحلي النفسي الحيواني، إلى الأفق العالمي الإنساني.
والله تبارك وتعالى يخلق لهذا الدين من يحمله، ويهتدي بهديه، ويعتز به، ويشعرهم أنهم رجاله وحزبه.
ومن ثم فهم يوسمون بسمته، ويحملون شارته، ويعرفون بهذه الشارة، وتلك السمة بين الأقوام جميعًا في الدنيا والآخرة: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) } [البقرة: 138] .
والله عزَّ وجلَّ يشعر المؤمنين بأنهم منه وإليه، فهم رجاله المنتسبون إليه، الذين يحملون شارته في هذه الأرض، وهم أولياؤه وأحباؤه، يعاديهم من يعاديه، فلا يجوز أن يلقوا بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه.
والله يدعوهم باسم الإيمان الذين ينسبهم إليه، يدعوهم ليحذرهم من حبائل أعدائهم، ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عواتقهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1] .
إن المؤمن يعمل ويرجو الآخرة، والوشيجة التي تربطه بغيره هي الدين،
والأقارب والأرحام والأولاد إذا كانوا كفارًا، قد تجر القلوب جرًا إلى المودة، وتنسى تكاليف الدين، وتضطر المسلمين إلى مودة أعداء الله وأعدائهم وقاية لها.
فهذه المودة لا تنفع، لأن العروة التي تربط المسلم بغيره مقطوعة وهي الإيمان: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) } [الممتحنة: 3] .