لقد تمت الخدعة، وآتت ثمرتها المرة، لقد أنزلهما الشيطان بهذا الغرور من طاعة الله إلى معصيته، فأنزلهما من رتبتهما العالية التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى مرتبة دنيا، حيث دلاهما بغرور إلى المعصية.
فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وشعرا الآن أن لهما سوآت مواراة عنهما، سوأة المعاصي، وسوأة العورات.
فرآهما الرب يجمعان من ورق الجنة ليسترا به عوراتهما، التي يخجل الإنسان فطرةً من تعريها: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) } [الأعراف: 22] .
وسمع آدم وزوجه هذا العتاب والتأنيب من ربهما على المعصية، وعلى إغفال النصيحة، وعلى طاعة العدو.
وبعد هذا العتاب تكشف الجانب الآخر من طبيعة هذا الإنسان، وهو أنه ينسى ويخطئ، إن فيه ضعفًا يدخل منه الشيطان، إنه لا يلتزم دائمًا، ولا يستقيم دائمًا، ولكنه يدرك خطأه، ويعرف زلته، ويندم على معصيته.
ويطلب العون من ربه والمغفرة، إنه يتوب ولا يلج في المعصية كالشيطان، ولا يكون طلبه من ربه هو العون على المعصية، إنه يعلم أنه لا حول له ولا قوة إلا بعون الله ورحمته، وإلا كان من الخاسرين.
فماذا قال آدم وزوجه: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) } [الأعراف: 23] .
قالا: فعلنا الذنب الذي نهيتنا عنه، وظلمنا أنفسنا باقتراف الذنب، وقد فعلنا سبب الخسار إن لم تغفر لنا بمحو أثر الذنب وعقوبته، وترحمنا بقبول التوبة والمعافاة من أمثال هذه الخطايا، فغفر الله لهما ذلك، وتاب عليهما: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) } [طه: 121، 122] .
وهنا تكون التجربة الأولى .. والامتحان الأول .. والتربية الكبرى .. قد تمت .. وتكشفت خصائص الإنسان الكبرى .. وعرفها آدم وذاقها .. وذاق ألم عقوبتها.