فخرج منها صاغرًا ذليلاً مذمومًا مدحورًا، جزاءً على كفره وكبره وعجبه، ويوم القيامة يملأ الله النار بإبليس وأتباعه من الجن والإنس.
ومن يتبع الشيطان من البشر، قد يتبعه في معرفته بالله، واعتقاده بألوهيته، ثم في رفض حكم الله وقضائه في منهج الحياة، وادعاء أن له الحق في رفض حكم الله، وقبوله أو عدم قبوله وفق هواه، كما أنه قد يتبعه ليضله عن الاهتداء إلى الله أصلاً.
لقد جعل الله بحكمته لإبليس وقبيله فرصة الإغواء، وجعل لآدم وذريته فرصة الاختيار للهدى أو الضلال، تحقيقًا للابتلاء الذي قضت مشيئة الله أن تأخذ به هذا الكائن الإنساني، وتجعله به خلقًا منفردًا في خصائصه، لا هو ملك، ولا هو شيطان، لأن له دورًا آخر في هذا الكون، ليس هو دور الملك، ولا هو دور الشيطان.
وبعد طرد الشيطان من الجنة، أمر الله آدم وزوجه أن يسكن الجنة، لتتم بذلك
تربية الله لهما، وإعدادهما لدورهما الأساسي، الذي خلق الله له هذا الكائن، وهو دور الخلافة في الأرض فقال سبحانه: {وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) } [الأعراف: 19] .
لقد أذن الله لهما بالمتاع الحلال، ووصاهما بالامتناع عن المحظور، ليتدرب الإنسان على ضبط رغباته وشهواته، ويستعلي بإرادته على هذه الرغبات والشهوات، فيظل حاكمًا لها، لا محكومًا بها كالحيوان، وهذه خاصية الإنسان التي يفترق بها عن الحيوان.
ولما سكن آدم وزوجه الجنة، بدأ إبليس يؤدي دوره الذي تمحض له، فهذا الإنسان كرمه الله فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وهو الذي أخرج إبليس بسببه من الجنة، وطرد من الملأ الأعلى.
هذا الكائن الإنساني مزدوج الطبيعة، مستعد للخير والشر على السواء، وفيه أماكن ضعف معينة يقاد منها، ما لم يلتزم بأمر الله فيها، ومن هذه الثغرات تمكن إصابته، ويمكن الدخول إليه، ويمكن جره وإغواؤه.