قوله: {آخِذِينَ} : حالٌ من الضمير في قوله:"جناتٍ". و"ما آتاهم"يعني من ما في الجنة فتكونُ حالاً حقيقية . وقيل: ما آتاهم مِنْ أوامِره ونواهيه في الدنيا ، فتكون حالاً محكيَّةً لاختلافِ الزمانين . وجعل الجارَّ هنا خبراً ، والصفةَ فضلةً ، وعَكَسَ هذا في قولِه: {إِنَّ المجرمين فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [الزخرف: 74] . وقيل: لأن الخبرَ مقصودُ الجملة . والغرضُ هناك الإِخبارُ عن تخليدِهم ؛ لأنَّ المؤمِنَ قد يَدْخُلُ النارَ ، ولكن لا بُدَّ مِنْ خروجِه . وأمَّا آيةُ المتقين فجعل الظرفَ فيها خبراً لأَمْنِهم الخروجَ منها ، فجعل لذلك مَحَطَّ الفائدةِ لتحصُل لهم الطمأنينةُ فانتصبَتْ الصفةُ حالاً .
كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)
قوله: {كَانُواْ قَلِيلاً} : فيه أوجهٌ ؛ أحدها: أنَّ الكلامَ تَمَّ على"قليلاً"، ولهذا وَقَفَ بعضُهم على"قليلاً"ليُؤاخيَ بها قولَه تعالى: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24] {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور} [سبأ: 13] ويَبْتدئ {مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} . أي: ما يَهْجَعون من الليل ، وهذا لا يَظْهر من حيث المعنى ولا من حيث الصناعة: أمَّا الأول فلا بُدَّ أن يَهْجَعوا ولا يُتَصَوَّرُ نَفْيُ هجوعِهم . وأمَّا الصناعةُ فلأنَّ ما في حيِّز النفي لا يتقدَّم عليه عند البصريين ، هذا إنْ جَعَلْتَها نافيةً ، وإنْ جَعَلْتَها مصدريةً صار التقديرُ: من الليل هجوعُهم . ولا فائدةَ فيه لأنَّ غيرَهم من سائر الناس بهذه المَثابة .
الثاني: أَنْ تجعلَ"ما"مصدريةً في محلِّ رفع ب"قليلاً". والتقدير: كانوا قليلاً هجوعُهم .