وقرأ الجمهور: {الرَّزَّاقُ} بصيغة المبالغة. وقرأ ابن محيصن {الرازق} بميغة اسم الفاعل. كما قرأ {وفي السماء رازقكم} اسم فاعل، وهي قراءة حميد. وقرأ الجمهور {الْمَتِينُ} بالرفع. وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش بالجر صفة للقوة على معنى الاقتدار، قاله الزمخشري، أو كأنه قال: ذو الأيد. وقيل: التذكير لكون تأنيثها غير حقيقي. قال الفراء: كان حقه المتينة، فذكرها لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرم المحكم الفتل. يقال: حبل متين؛ أي؛ محكم الفتل. ومعنى المتين هنا: الشديد القوّة كما مرّ آنفًا. وأجاز أبو الفتح أن تكون صفة لذو. وخفض على الجوار كقولهم: هذا حجر ضبٍّ خربٍ.
والمعنى: أنه تعالى غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم؛ لأنّه خالقهم، ورازقهم، وهو ذو القدرة القاهرة، والقوّة التامّة، الغالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. روى أحمد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلًا ولم أسد فقرك".
59 -ولما أقسم سبحانه في أول السورة على الصدق في وعيدهم أخبر بإيقاع هذا الوعيد بهم يوم القيامة، فقال: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} أنفسهم بتعريضها للعذاب بسب تكذب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو وضعوا مكان الصديق تكذيبًا، وهم أهل مكة. {ذَنُوبًا} ؛ أي: حظًّا وافرًا من العذاب {مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} ؛ أي: مثل أنصباء نظرائهم من الأمم الماضية المحكية. وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالذَّنوب. وهو الدلو العظيم المملوء. قال الشاعر:
لَنَا ذَنُوْبٌ وَلَكُمْ ذَنُوْبٌ ... فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا الْقَلِيْبُ