والفاء في قوله: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} فاء الفصيحة. لأنَّها أفصحت عن جواب شرط محذوف، تقديره: إذا عرفت حال الكفرة المتقدمين من عاد, وثمود، وقوم نوح وأردت بيان حال كفرة قومك فأقول لك: فإنَّ لهؤلاء المكذبين لك نصيبًا مثل نصيبهم. وعبر عن النصيب بالذنوب ليشبهه به في أنه يصب عليهم العذاب كما يصب الذنوب. قال تعالى: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} انتهى"من الفتوحات"بتصرف.
{فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ} أصله: فلا يستعجلوني بياء المتكلم؛ أي: فلا يطلبوا منّي أن أعجل في المجيء به؛ لأنَّ له أجلًا معلومًا، فهو نازل بهم في وقته المحتوم. يقال: استعجله إذا طلب وقوعه بالعجلة.
والمعنى: فإنَّ للذين ظلموا أنفسهم باشتغالهم بغير ما خلقوا له من العبادة، وإشراكهم بالله عزّ وجل، وتكذيبهم رسوله نصيبًا من العذاب مثل نصيب نظرائهم من الأمم السالفة التي كذبت رسلها. فلا يطلبوا منى أن أعجل بالإتيان به، فإني لا أخاف الفوت، ولا يلحقني عجز. وهذا جواب عن قولهم: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} . وكان النضر بن الحارث يستعجل بالعذاب، فأمهل إلى بدر ثم قتل في ذلك اليوم، وصار إلى النار، فعذب أولًا بالقتل ثم بالنار.
60 - {فَوَيْلٌ} ؛ أي: فشدّة عذاب. {لِلَّذِينَ كَفَرُوا} بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وهم أهل مكة. {مِنْ يَوْمِهِمُ} من للتعليل؛ أي: من أجل يومهم {الَّذِي يُوعَدُونَ} العذاب يه. وهو يوم بدر. وهو الأوفق لما تقدم من حيث إنه من العذاب الدنيوي أو يوم القيامة. وهو الأنسب لما في صدر السورة الآتية. وأيّا ما كان فالعذاب آت، وكل آت قربب. ووضع الموصول موضع ضميرهم تسجيلًا عليهم بما في حيز الصلة من الكفر، وإشعارًا بعلة الحكم. والفاء لترتيب ثبوت الويل لهم على أنَّ لهم عذابًا عظيمًا. كما أنَّ الفاء الأولى لترتيب النهي عن الاستعجال على ذلك؛ أي: فويل لهم من حلول ذلك العذاب الذي وعدوه يوم القيامة. حين لا تغني نفس عن نفس شيئًا ولا هم ينصرون.
وقرأ يعقوب: {لِيَعْبُدُونِي} ، {أَنْ يُطْعِمُونِي} ، {فلا يستعجلوني} بالياء وقفًا ووصلًا. ووافقه سهل في الوصل. وقرأ الباقون بغير ياء في الحالين. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 28/ 17 - 29} ...