أي: إن الله هو الرزاق الذي يرزق جميع خلقه - لا غيره سبحانه - وهو ذو القدرة شديد القوة لا يعجز عن شيء، والجملة تعليل لنفى الإرادة فيما تقدم في قوله - تعالى: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) قال الإِمام: كون - تعالى - هو الرزاق ناظر إلى عدم طلب الرزق؛ لأن من يطلبه يكون فقيرًا محتاجًا وكونه (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ناظر إلى عدم طلب العمل المراد من قوله - سبحانه: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) ؛ لأن من يطلبه يكون عاجزًا لا قوة له، فكأنّه قيل: لا أريد منهم من رزق؛ لأنِّي أنا الرزاق، وما أريد منهم من عمل كالإطعام؛ لأنى قوى متين.
وكان الظَّاهر أن يأتي السياق الكريم (إني أنا الرزاق) كما جاء في قراءة له - صلى الله عليه وسلم - لكن التفت إلى التصريح بالاسم الجليل لبعث الهيبة في النفوس وأنه هو الرازق وحده دون سواه.
59 - (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ) :
أي: إذا ثبت أَن الله - تعالى - ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه وأنه سبحانه ما يريد منهم من رزق إلى آخر ما تقدم، فإن للذين ظلموا أنفسهم باشتغالهم بغير ما خلقوا له من العبادة
وإشراكهم بالله - عز وجل - وتكذيبهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهم أهل مكة وأحزابهم من الكفار قد أعد الله لهؤلاء نصيبًا من العذاب مثل نصيب نظرائهم من الأمم السَّابقة، وعن قتادة: سجْلا من العذاب مثل سَجْل أصحابهم، فلا يطلبوا مني أَن أعجل في الإتيان بالعذاب قبل أوانه، فهو لاحق بهم لا محالة.
60 - (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) :
أي: فهلاك وعذاب شديد للذين كفروا من يومهم الذي يوعدونه لما ينالهم فيه من الشَّدائد والأهوال وما يلاقونه فيه من عذاب وعقاب، وفي الآية بعض اللطائف:
1 -وضع الموصول موضع الضمير فجاء النَّظم (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) بدل فويل لهم؛ تسجيلا عليهم بما في حيِّز الصِّلة من الكفر، وإشعارا بعلة الحكم.
2 -الفاء في قوله: (فويل) لترتيب ثبوت الويل لهم على أَن لهم عذابًا عظيمًا.