قوله: {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} أي لا لوم عليك في الإعراض عنهم، فإنك قد بلغت الغاية في النصح وبذل الجهد، ولما نزلت هذه الآية، حزن رسول الله، واشتد الأمر على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم، وجرت عادة الله في الأمم السابقة، متى أمر رسولهم بالإعراض عنهم، حل بهم العذاب فأنزل الله {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} فسروا بذلك، ولذلك قيل إنها ناسخة لما قبلها، ولكن الحق أن ما قبلها منسوخ بآية السيف قوله: {فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} تعليل لقوله: {وَذَكِّرْ} والمعنى لا تترك التذكير، فربما انتفع به من علم الله إيمانه، ويؤخذ من الآية أن البلاء لا ينزل بقوم وفيهم المتذكرون لما ورد: إن الله يطلع على عمار المساجد، فيرفع العذاب عن مستحقيه.
قوله: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي لا لطلب الدنيا والانهماك فيها.
قوله: (ولا ينافي ذلك) أي الحصر المذكور، وهو جواب عن سؤال مقدر حاصله: أن الله تعالى حصر الجن والإنس في العبادة، فمقتضاه أنه لا يخرج أحد عنها، مع أنه شوهد كثير من الخلف كفر وترك العبادة، فأجاب المفسر، بأن اللام للغاية والعاقبة لا للعلة الباعثة، لأن الله لا يبعثه شيء على شيء، وقوله: (فإنك قد لا تكسب به) اعترض بأن هذا مسلم في أفعال المخلوقين، لجهلهم بعواقب الأمور، وأما في حق الله تعالى، فلا يصح التخلف في فعله، بل مقتضاه أنه عالم بأنهم سيعبدونه ولا بد، ولا يمكن تخلفه في البعض، فالجواب الصحيح أن يقال: إن الله تعالى خلق الخلق، وجعلهم مهيئين صالحين للعبادة، بأن ركب فيهم عقلاً وحواس، وجعلهم قابلين للعبادة والطاعة، وبعد ذلك اختار لعبادته وطاعته من أحب منهم، فلا يلزم من الصلاحية للعبادة وقوعها منهم بالفعل، وقيل: معنى (ليعبدون) لآمرهم وأكلفهم بعبادتي، لا ليهتموا بالرزق وينهمكوا في خدمة الدنيا، وهذا على حد {وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]