{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .
أولاً: وجد الاختلافَ الأول بين الموضعين أن الجاثية فيها
{إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..} [الجاثية: 3] أما البقرة
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..} [البقرة: 164] وهما بمعنى واحد، لأن الخَلْق حدثُ الإيجاد، فالحدث نفسه يسمى خَلْقاً، ويطلق أيضاً على المخلوق بدليل قوله تعالى:
{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} [لقمان: 11] أي مخلوقه.
إذن: المعنى في الموضعين واحد.
ثانياً: عدَّ الآيات الكونية المذكورة في الجاثية فوجدها ست آيات، وفي البقرة ثماني آيات، فلما بحث الزيادة في البقرة وجدها في قوله تعالى:
{وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ..} [البقرة: 164]
{وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ ..} [البقرة: 164] .
فقال: هاتان الآيتان في الفلك وفي السحاب أغنى عنهما قوله تعالى في الجاثية {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} [الجاثية: 5] لأنهما يجريان بحركة الرياح.
الاختلاف الأخير بين الموضعين أن آية البقرة خُتمتْ بمقطع واحد هو {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] أما آيات الجاثية ففيها ثلاثة مقاطع هي: {لأيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] {ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] {ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 5] .
المؤمن ساعة يسمع من الله يُصدِّق ويؤمن بما أخبر الله به، واليقين يكون لدى طالب الحقيقة الذي يبحث عنها في قضية علمية يريد أن يصل إلى اليقين من خلالها.
والإنسان إذا لم يكُنْ مؤمناً واثقاً ولا طالباً للحقيقة فلا أقلَّ من قَدْر من العقل يُميِّز به بين الأشياء، ويعرف به ماذا يأكل؟ وماذا يشرب؟ وماذا يأخذ؟ وماذا يدع.
إذن: هذه المقاطع الثلاثة تمثل مراحلَ الإدراك السليم. والتعقُّل هو أدْنى مرتبة، لذلك خُتِمَتْ بها آية البقرة.