وعرضت في سورة مريم حلقة دعوته في رفق لأبيه ، وغلظة أبيه عليه ، واعتزاله لأبيه وقومه ، وهبة إسماعيل وإسحاق له. وذلك في السورة التي تعرض رعاية الله للمصطفين من عباده. وجوها كله تظلله الرحمة والود واللين.
وعرضت في سورة الأنبياء حلقة دعوته لأبيه وقومه ، وزرايته على أصنامهم. وتحطيم هذه الأصنام ، وإلقائه في النار التي كانت برداً وسلاماً عليه بأمر الله ، ونجاته هو وابن أخيه لوط إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. وذلك في صدد استعراض أمة الرسل ، ورعاية الله لهذه الأمة واتجاهها إلى عبادة الله الواحد الذي ليس له شريك.
ووردت في سورة الحج إشارة إلى أمر بتطهير البيت للطائفين والعاكفين..
{واتل عليهم نبأ إبراهيم ، إذ قال لأبيه وقومه: ما تعبدون؟} ..
اتل عليهم نبأ إبراهيم الذي يزعمون أنهم ورثته ، وأنهم يتبعون ديانته. اتله عليهم وهو يستنكر ما كان يعبده أبوه وقومه من أصنام كهذه الأصنام التي يعبدها المشركون في مكة ؛ وهو يخالف أباه وقومه في شركهم ، وينكر عليهم ما هم عليه من ضلال ، ويسألهم في عجب واستنكار: {ما تعبدون؟} .
{قالوا: نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} !
وهم كانوا يسمون أصنامهم آلهة. فحكاية قولهم: إنها أصنام. تنبئ بأنهم لم يكونوا يملكون إنكار أنها أصنام منحوتة من الحجر ، وأنهم مع ذلك يعكفون لها ، ويدأبون على عبادتها. وهذه نهاية السخف. ولكن العقيدة متى زاغت لم يفطن أصحابها إلى ما تنحط إليه عبادتهم وتصوراتهم ومقولاتهم!
ويأخذ إبراهيم عليه السلام يوقظ قلوبهم الغافية ، وينبه عقولهم المتبلدة ، إلى هذا السخف الذي يزاولونه دون وعي ولا تفكير:
{قال هل يسمعونكم إذ تدعون؟ أو ينفعونكم أو يضرون}
فأقل ما يتوفر لإله يعبد أن يكون له سمع كعابده الذي يتوجه إليه بالعبادة والابتهال! وهذه الأصنام لا تسمع عبادها وهم يتوجهون إليها بالعبادة ، ويدعونها للنفع والضر.