قيل: لما انتهى موسى ومن معه إلى البحر هاجت الرياح، فصار البحر يرمي بموج كالجبال، قال يوشع: يا كليم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون من خلفنا، والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا، فخاض يوشع الماء لا يواري حافر دابته، وقال الذي يكتم إيمانه من آل فرعون: يا كليم الله أين أمرت؟ قال: هاهنا، فكبح فرسه، فصكه بلجامه حتى طار الزبد من شدقه، ثم أقحمه البحر فارتسب في الماء إلى آخر ما تقدم آنفًا. قيل: دخلوا البحر بالطول وخرجوا في الصفة التي دخلوا منها بعد مسافة، وكان بين موضع الدخول وموضع الخروج أوعار وجبال لا تسلك.
64 - {وَأَزْلَفْنَا} ؛ أي: قربنا {ثَمَّ} ؛ أي: هناك؛ أي: في موضع انفلاق البحر {الْآخَرِينَ} ؛ أي: فرعون وقومه حتى دخلوا عقب قوم موسى مداخلهم. وعن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين قوم فرعون، يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويقول للقبط: رويدكم ليلحق آخركم أولكم، فكان بنو إسرائيل يقولون: ما رأينا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان قوم فرعون يقولون: ما رأينا أحسن دعة من هذا الرجل.
وقيل المعنى: وقربناهم إلى الموت؛ لأنهم قربوا من أجلهم في ذلك الوقت. وقيل: المعنى: وحبسنا فرعون وقومه في الضبابة عند طلبهم موسى بأن أظلمنا عليهم الدنيا بسحابة وقفت عليهم، فوقفوا حيارى.
وقرأ الحسن وأبو حيوة: {وزلفنا} : بلا ألف ثلاثيًا، وقرأ أبي وابن عباس وعبد الله بن الحارث: {وأزلقنا} بالقاف بدل الفاء؛ أي: أزللنا وأهلكنا من قولهم: أزلقت الفرس إذا ألقت ولدها.
والمعنى: أي وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضرب فانفلق، فكان كل قطعة من الماء كالجبل العالي، وصار فيه اثنا عشر طريقًا، لكل سبط منهم طريق، وصار فيه طاقات ينظر منها بعضهم إلى بعض، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته، فصار يبسًا كوجه الأرض، كما قال في آية أخرى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} . {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) } ؛ أي: وقربنا فرعون وجنوده من البحر، وأدنيناهم منه.