وبالجملة فالقرآن الكريم يكمل بعضه بعضا، وهذا أُسلوب بديع تفرد به القرآن بين الكتب السماوية، لما فيه من إعادة التذكير والوعظ، مع التشويق إلى تتبع القصة في مظانها من القرآن، للاستزادة من المعرفة، حتى لا يمل من إعادة القصة إذا كانت بأسلوب واحد.
وليعلم القاريء أن القصص القرآني ليس الغرض منه بيان تاريخ الأمم، بل العظة بما حدث لهم عندما أعرضوا عن رسله، ولذا احتاج الأمر إلى تكرار قصصه مع التلوين في حكايتها وسردها.
ومعنى الآية: قال موسى للسحرة لما اجتمعوا في يوم الزينة: ألقوا ما أنتم ملقونه من أنواع سحركم فلست أبالى بكمه ولا بكيفه.
44 - {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} :
أي: فألقى السحرة حبالهم وعصيهم، وسلطوا عليها سحرهم ورُقاهم، فانقلبت أفاعي مخيفة؛ وثعابين مزعجة وجاءوا بسحر عظيم سحروا به أعين الناس واسترهبوهم وما هو إلا حبال وعصى في الحقيقة، فلو لم تسحر عيون الناس لرأوها كذلك، وقال
السحرة حين رأوا ضخامة سحرهم وأثره في عيون ووجوه مشاهديهم - قالوا حينئذ: نقسم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون لموسى، ولا سبيل لغلبته إيانا.
قال ابن عطية - بعد أن ذكر أن ما قاله السحرة قَسَمٌ بفرعون - قال ابن عطية: والأحرى أن يكون على جهة التعظيم والتبرك باسمه إذ كانوا يعبدونه .. الخ.
ومما يؤسف له أن هذه العدوى تسربت إلى المسلمين، فتركوا الحلف بالله إلى الحلف بآبائهم وأوليائهم وبغير ذلك مما لا يجرز الحلف به، فلا حلف إلا بالله أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته.
45 - {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} :
فألقى موسى عصاه الخشبية الوحيدة، عقب ثقتهم بسحرهم، وقسمهم بعزة فرعون إنهم لَهُمُ الغالبون، ففوجئوا بالأمر الخطير الذي لم يتوقعوه، وهو أنها انقلبت ثعبانا كبيرا سريع الحركة كأنها جان، وجعلت تبتلع حبالهم وعصيهم التي أفكوها، وزعموا أنها أفاعي وثعابين حقيقية، وما هي إلا حبال وعصى سحروا بها العيون، فتخيلتها كما يزعمون.