جاء في سورة الأعراف أن السحرة قالوا لموسى: {يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} ومن هذا النص نفهم أن موسى - عليه السلام - لم يقل لهم: {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} إلا بعد أن خيره السحرة بين أن يبدأ بإلقاء عصاه، وبين أن يبدأوا بإلقاء سحرهم، وقد خلت سورة الشعراء من هذا التخيير، كما أن صورة الإذن بالإلقاء في سورة الأعراف {ألقوا} وفي سورة الشعراء. {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} وقد عرفنا من سورة الأعراف أن السحرة لما ألقوا ما معهم {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} في يوم الزينة الذي احتشد له الناس ليشاهدوا المعركة بين الحق والباطل وآثارها، ولم يأت ذلك هنا، وبالجملة فقد اشتملت سورة الأعراف على مفارقات عديدة في قصة موسى مع فرعون، وكلما وجدت قصة موسى وفرعون في سورة، وجدت فيها مفارقات بالنسبة لسورة أخرى، ومثل ذلك يحدث في قصص غيره من المرسلين مع أممهم.
وبالجملة فإن القصص القرآني جاء في بعض السور مختصرا، وفي بعضها مبسوطا، وأن العبارات في الموقف الواحد قد تختلف في سورة عنها في سورة أخرى.
ويرجع ذلك إلى أن لغة الرسل وأقوامهم لم تكن عربية، وأن ما جاء في القرآن عن قصصهم إنما هو ترجمة عربية لما جرى بين الأنبياء وأُممهم بلغتهم، وأن هذه الترجمة تعود إلى أصل المعنى الذي دار عليه الحوار، أما الحوار نفسه فقد يكون واسع الأطراف كثير الجدل، متعدد اللقاءات، متطاول السنين، فلا غرابة في أن تجد القرآن الكريم في سورة يقتصر في حكايته الحوار وما حوله على المبدأ الأساسي الذي دار عليه الحوار، وترتبط به العظة المقصودة من سَوْقِ القصة، وأن نراه في سورة أُخرى يحكى الحوار بصورة أُخرى فيها بعض البسط، ليجد القارئ في إعادة القصة جديدًا لم يره في سورة أُخرى، فيضيفه إلى معلوماته السابقة في القصة.