"تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ"وشخصية محمد بن عبد الله ما كانت هكذا ولا شيئاً منها، فلم يكن يكذب على قومه أبداً ولا في حياته ولو مرة ما جربنا عليك كذباً قط، إذاً ليس أفاكاً ولا آفكاً ولا مؤتفكاً، ثانياً لم يكن أثيماً فلم يعرف عنه أن خالط الناس في خمرهم، وفي زناهم، ولا حتى في غنائهم ولهوهم وما إلى ذلك، ما خالط الناس في شيء من ذلك، إنما عُرف بالحكمة، وعُرف بالعقل، وعُرف بفعل المحامد والفضائل، وهكذا كانت شخصيته صلى الله عليه وسلم لا تناسب تنزِّل الشياطين عليها.
هذه موضوعات السورة وبذلك نجدها متناسبةً مع ما قبلها من السور وهي سورة الفرقان، وترتبط مع سلسلة سور القرآن بروابط عظيمة، فإن سورة الفرقان ذكرت وذكَّرت بجملة من الأنبياء تقريباً هم هم الذين ذكروا في سورة الشعراء، ولكن ذكرهم الله تعالى في سورة الفرقان إجمالاً واختصاراً، وذكرهم في سورة الشعراء بشيءٍ من التفصيل، حيث ذكر موقفهم في الدعوة وما جرى لأقوامهم في النهاية في جملةٍ واحدة، فهناك إجمالاً واختصار وهنا تفصيلٌ وبيان، بُدأت سورة الفرقان ببيان القرآن ووصفه العظيم ومصدره الكريم"تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ"، وصف الله القرآن بأنه فرقان يفرق بين الحق والباطل وما شابه ذلك، وبيَّن أنه مُنزَّلٌ من عنده الله، وسورة الشعراء بُدأت بذلك أيضاً"طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ"، ذكرت أنه كتابٌ مبينٌ، وبالأحرف الأولى إشارة إلى أنه كتابٌ معجزٌ للبشر جميعاً، إذاً هو من عند الله تبارك وتعالى، وبين ذلك واضحاً في آخر السورة"وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ".