والفاء كما قلنا لترتيب والتعقيب أي أنهم فور ما رأوا أن العصا تلقف ما يأفكون، فتبتلع مادة سحرهم التي تسحر العيون، ووجدوا حقيقة لَا تخييلا ولا وهما، فكان الحق فأسرعوا بالسجود، وقوله تعالى (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) ، مبني للمفعول إشارة إلى أن إيمانهم وإذعانهم للحق هو الذي ألقاهم ساجدين، وكأنهم غير مختارين ولا مريدين، فالسجود كان مساوقا للعلم الذي أوتوه من معجزة موسى عليه السلام، و
(قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(47) لأنه المنشئ القاهر القدير الكالئ الحامي.
(رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ(48)
وإن هذا يدل على صفاء نفوس هؤلاء، وقد أشرنا في الآيات السابقة إلى أنهم لم يكونوا مذعنين لما يدعيه فرعون، كما يبدو من لحن أقوالهم.
وإن أولئك آمنوا حقا وصدقا، إذ إنهم تركوا الأجر، وكان كبيرا، وتركوا الازدلاف إلى فرعون والقرب منه والتحكم باسمه، ورضوا بأن يُقطعوا ويصلبوا وذلك هو الإيمان حقا وصدقا.
طغى طغيان فرعون، وظهر حمقه، فبدل أن يذعن للحكم الذي اختاره ثار عليهم وقال:
(قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ(49)
داهية نزلت بألوهية فرعون، وتأثيره في قومه، وبطلان حجته في رد موسى أمام حشد مجتمع، من مدائن مصر كلها ليشهدوا نصرته، فشهدوا بطلان حجته، وهزيمته، فاستخدم الطغيان ليحول الأذهان، ولتكون رهبته محل حجته (آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) إذا جعلنا همزة أستفهام، في القول، وإذا لم يكن استفهام يكون ذكر الإيمان قبل الإذن منه، هو الاستنكار، كأنه ملك قلوبهم وأجسادهم وخواطرهم ونوازع نفوسهم، وهذا شأن كل جبار متحكم، كأنه ملك الأفئدة والعقول والنفوس؛ لأن الذين حوله يوعزون له بذلك، وبأن هذا حق الله فرضته الطاعة، ثم الألوهية الباطلة، وقوله تعالى - له - أي مذعنين خاضعين له.