(أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) فهو يعطيهم حق الابتداء ليأتوا بكل ما عندهم، ومكنهم من أن يكون بدء الرمي لهم ليسترهبوا الناس الحاشدين المجتمعين، ويكتسبوا من ذلك حماسة وقوة اندفاع، وهو يعلم أن اللَّه معه، وهو غالبهم بنصر اللَّه تعالى وقوة الحق الذي لَا يمكن اللَّه تعالى - الباطل منه أبدا.
(فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ...(44)
الفاء للعطف والتعقيب، أي أنهم سارعوا بإلقاء حبالهم وعصيهم، وكان لهم أثر شديد في نفوس المجتمعين كما جاء في سورة
الأعراف (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ(116) .
وقالوا وهم يلقون الحبال والعصي التي سحروا بها أعين الناس (وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) أي متيمنين مقسمين بعزة فرعون مؤكدين بذلك أن الغلب لهم وأكدوا عليه أولا بـ أن، وباللام، وبـ نحن المؤكدة للضمير تأكيدا لفظيا. وبقصر الغلب عليهم بتعريف الطرفين أي أنهم وحدهم الغالبون دون غيرهم، ولن يغلب موسى وقد قالوا ذلك بعد التأكد من الأجر الكبير والتقريب.
(فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ(45)
والفاء أيضا للعطف والتعقيب أي سارع موسى عليه السلام معتمدا على اللَّه تعالى، وعلى عزته، وقدرته سبحانه القاهرة، وقوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ) هي للمفاجأة، أي أنه كانت المفاجأة الكبرى لهم وللحشد المجتمع، تبتلع ما يأفكون، أي تلقف الحبال والعصي التي كانوا يكذبون بها ويصرفون عن المعجزة بسحر أعين الناس واسترهابهم، والإفك بتضمن معنى الكذب والصرف عن الحق الواضح الجلي، وهنا تبدو المعجزة جلية بينة لأهل الخبرة في السحر، ويعلمون أن ما جاء به موسى ليس من نوع السحر، بك هو إعجاز اللَّه تعالى، ولذا قال تعالى عنهم:
(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ(46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48)