ولم يفرض أنه الحق بموجب علمهم، وتفريقهم بين باطل السحر، ومعجزة الحق، بل فرض أنه كبيرهم الذي علمهم السحر ليموِّه على الناس، فقال إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، فأنتم تتبعون معلمكم ولا تتبعوني.
ثم انتقل من التضليل إلى التهديد كشأن الطغاة دائما إذا ما حل بهم الدليل يسترون عجزهم بالتهديد، فيقول: (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، واللام تفيد توكيد التهديد، وسوف - لبيان تأكيد العلم في المستقبل، وهو علم معاينة لَا علم إخبار، ولذا ذكر مما هدد به نافذا واقعا (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) أي: يد من جانب، ورجل من جانب، (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) إن التصليب يكون مقارنا للقتل، فكأنه هددهم بأمور ثلاثة أولها
التعذيب بقطع الأيدي والأرجل من خلاف، وثانيها - القتل، وثالثها - التصليب؛ ليكونوا عبرة لغيرهم، إذ هم أول من شقوا عصا الطاعة، ونبذوا ألوهيته وراء ظهورهم.
هذا صوت التهديد الفرعوني فلنسمع صوت الإيمان، فقد أجابه المؤمنون بقولهم:
(قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ(50)
الضَّير: المضار وإيقاع الضرر، أي لَا تملك أن تضارنا، فإنا قد عرفنا ما عندك، وقدرة ربنا، وأن ما عندك أمر ضئيل إلى زمن محدود، وما عند اللَّه باق لا ينتهي، وضررك ضرر عاجل موقوت ندفعه ويدفعه اللَّه عنا بخير دائم غير موقوت، وكأنَّهم لقوة إيمانهم يقولون: ما أنت، وما عذابك؟ إنه أذى ساعة، وما عند اللَّه خير دائم: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) انقلب إليه، أي ترك ما هو فيه راجعا إلى الخير العظيم، و (إِلَى رَبِّنَا) متعلق بمنقلبون، وكان تقديمه لبيان الاختصاص وأنهم يرجعون إلى ربهم، لَا إلى غيره من أشباه فرعون.
(إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ(51)