{فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً . .} [المؤمنون: 41] الغثاء: ما يحمله السيل من قش وأوراق وبقايا النبات ، فتكون طبقة طافية على وجه الماء تذهب بها الريح في إحدى الجوانب ، والغثاء هو الزَّبَد الذي قال الحق سبحانه وتعالى عنه: {فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض . .} [الرعد: 17] .
وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"يوشك أن تتداعَى عليكم الأمم كما تتداعَى الأكلة إلى قصعتها - يعني: يدعو بعضهم بعضاً لمحاربتكم كأنكم غنيمة يريدون اقتسامها - فقالوا: أمِنْ قِلَّة نحن يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل"يعني: شيئاً هيِّناً لا قيمةَ له يذهب سريعاً .
وقوله تعالى: {فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين} [المؤمنون: 41] أي: بُعداً لهم عن رحمتنا ونعيمنا الذي كُنَّا نُمنِّيهم به ونَعِدهم به لو آمنوا ، وليس البُعد عن العذاب ؛ لأن البعد مسافة زمنية أو مكانية ، نقول: هذا بعيد ، أي: زمنه أو مكانه ، المراد هنا البُعْد عن النعيم الذي كان ينتظرهم إنْ آمنوا .
والظلم: كما قلنا أخذْ حَقِّ الغير ، والشرك هو الظلم الأعظم ؛ لأنه ظلم في مسألة القمة ، والبعض من السطحيين يظن أن الشرك ظلم عظيم ؛ لأنك ظلمتَ الله سبحانه وتعالى ، لأنك أنكرتَ وجوده وهو موجود ، وأشركتَ معه غيره وهو واحد لا شريك له ، نعم أنت ظلمتَ ، لكن ما ظلمتَ الله ؛ لأنه سبحانه لا يظلمه أحد ، وإنْ كان الظلم - كما نقول - أَخْذ حَقِّ الغير ، فحقُّ الله محفوظ وثابت له سبحانه قبل أن يُوجَد مَنْ يعترف له بهذا الحق ، حقُّ الله ثابت مهما علاَ الباطل وتبجَّح أهل الضلال .