إذن: فشهوة النفس تجعل الإنسان يقف موقفاً ، إذا ما جُوزي عليه بالشدة يندم أنه لم يُنفذ ولم يطع ، يندم على غطرسته في موقف كان ينبَغي عليه أنْ يتنازل عن كبريائه ؛ لذلك يقولون: من الشجاعة أنْ تجبن ساعة .
ويحسن ذلك إذا كنت أمام عدو لا تقدر على مجابهته ، ونذكر للرئيس الراحل السادات مثل هذا الموقف حين قال: لا أستطيع أن أحارب أمريكا ، فالبعض فهم هذا القول على أنه ضَعْف وجُبْن ، وهو ليس كذلك ، إنما هو شجاعة من الرجل ، شجاعة من نوع راقٍ ؛ لأن من الشجاعة أيضاً أن تشجع على نفسك ، وهذه شجاعة أعلى من الشجاعة على عدوك ، وتصور لو دخل السادات مثل هذه الحرب فهُزِم كيف سيكون ندمه على شجاعة متهورة لا تحسب العواقب . وقد رأينا عاقبة الجرأة على دخول حرب غير متكافئة .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً . .} .
ما دام الحق - تبارك وتعالى - توعّدهم وحدَّد لهم موعداً ، فلا بُدَّ أن يقع بهم هذا الوعيد في الوقت ذاته ، وإلاَّ لو مَرَّ دون أن يصيبهم ما يندمون لأجله لأنهدم المبدأ من أساسه ، ما دام أن الله تعالى قالها وسجَّلها على نفسه سبحانه في قرآن يحفظه هو .
{عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المؤمنون: 40] فلا بُدَّ أن ينزل بهم العذاب في الصباح .
لذلك {فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق . .} [المؤمنون: 41] لا بالظلم والعدوان ، وفي موضع آخر قال سبحانه عنهم: {وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6] والمعنيان يلتقيان ، لأن الريح الصرصر لها صوت مزمجر كأنه الصيحة والصراخ .