ومن قرأ: تنبت بالدهن جاز أن يكون الجار فيه للتعدّي: أنبته ونبت به ، ويجوز أن يكون الباء في موضع حال كما كان في الوجه الأول ، ولا يكون للتعدي ولكن: تنبت وفيها دهن ، وقد قالوا: أنبت في معنى نبت ، فكأن الهمزة في أنبت مرة للتعدّي ومرّة لغيره ، يكون من باب: أحال وأجرب وأقطف ، أي: صار ذا حيال وجرب ، والأصمعي ينكر أنبت ، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها:
حتى إذا أنبت البقل متّهمة . وإذا جاء الشيء مجيئا كان للقياس فيه مسلك ، فروته الرواة لم يكن بعد ذلك موضع مطعن .
[المؤمنون: 21]
اختلفوا في قوله: نسقيكم [المؤمنون 21] .
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي: نسقيكم برفع النون .
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: (نسقيكم) بفتح النون .
قال أبو علي: أما من قال: نسقيكم فعلى أن يكون المعنى:
جعلنا ما في ضروعها من ألبانها سقيا لكم . وقد قالوا: أسقيتهم نهرا إذا جعلته سقيا لهم ، هذا كأنه أعم لأن ما هو سقيا لهم لا يمتنع أن يكون للشفة ، وما للشفة فقد يمتنع أن يكون سقيا ، وما أسقيناه من ألبان الأنعام أكثر مما يكون للشفة نسقيكم بالضم فيه أشبه . ومن قال:
(نسقيكم) جعل ذلك مختصا به الشفاء دون المزارع والمراعي فلم يكن مثل الماء في قوله: وأسقيناكم ماء فراتا [المرسلات / 27] .
لأن ذا يصلح لأمرين فمن ثمّ جاء: وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان / 21] . وقد قيل: إن سقى وأسقى لغتان . قال الشاعر:
سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال
ألا ترى أن أسقى لا يخلو من أن يكون لغة في سقى ، أو يكون على حدّ: وأسقيناكم ماء فراتا [المرسلات / 27] وهذا الوجه فيه بعض البعد ، لأنه قد دعا لقومه وخاصّته بدون ما دعا للأجنبي الغريب منه .
[المؤمنون: 29]