أي: بعد أن هدأتْ ثورة الغضب بداخله ندم على ما فعل ، لماذا؟ لأن هذه طبيعة النفس البشرية التي لا يُطغيها ولا يُخرجها عن توازنها إلا الهوى ، فإنْ خرج الهوى عادت إلى الاستقامة وإلى الحق ، وكأن الله تعالى خلق في الإنسان مقاييس يجب ألاَّ تُفسدها الأهواء ولا يُخرِجها الغضب عن حَدِّ الاعتدال ، لذلك يقولون: آفة الرأي الهوى .
لقد استيقظ قابيل ، لكن بعد أنْ رأى عاقبة السوء التي وصل إليها بتسرُّعه ، لكن الذكي يستيقظ قبل رَدِّ الفعل .
لكن ، لماذا اختار لهم وقت الصباح بالذات: {لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المؤمنون: 40] المتتبع لما حاق بالأمم المكذِّبة من العذاب والانتقام يجد أنه غالباً ما يكون في الصباح ، كما قال تعالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين} [الصافات: 176 - 177] .
وقال سبحانه: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} [القمر: 38] .
وقال سبحانه: {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} [القلم: 21] .
ذلك ، لأن الصباح يعقب فترة النوم والخمول الحركي ، فيقومون من نومهم فيفاجئهم العذاب ، ويأخذهم على حين غفلة وعدم استعداد للمواجهة ، على خلاف إنْ جاءهم العذاب أثناء النهار وهم مستعدون .
وندمهم على أنهم كذَّبوا أمراً ما كان ينبغي أن يُكذِّب وقد جَرَّ عليهم الوَيْلات ، والندم على خير فات من طبيعة النفس البشرية التي عادةً ما تغلبها الشهوة ويُغريها الحمق بردِّ الحق ، ويمنعها الكِبْر من الانصياع للرسول خاصة وهو بشر مثلهم ، ويريد في ظنهم أنْ يستعلي عليهم ، لكن حين يواجهون عاقبة هذا التكذيب ونتيجة هذا الحمق يندمون ، ولاتَ ساعة مَنْدم .