و"بالهدى"متعلّق بـ"اشتروا"والباء هنا للعوض ، وهي تدخل على المتروك أبداً.
فأما قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ الحياة الدنيا بالآخرة} [النساء: 74] ، فإنَّ ظاهره أن الآخرة هي المأخوذة لا المتروكة.
فالجواب ما قاله الزَّمَخْشَرِيَ:"أن المراد بـ"المشترين"المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النِّفَاق ، ويخلصوا الإيمان بالله - تعالى - ورسوله ، ويجاهدوا فِي الله حَقّ الجهاد ، فحينئذ دخلت"الباء"على المتروك."
والشِّراء - هاهنا - مَجَاز عن الاستبدال بمعنى أنهم لما تركوا الهدى ، وآثروا الضلالة ، جُعِلُوا بمنزلة لها بالهُدَى ، ثم رشح هذا المجاز بقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} فأسند الرِّبْحِ إلى التِّجارة ، والمعنى: فما ربحوا فِي تِجارتِهم ؛ ونظير خذا التَّرْشيح قول الآخر: [الطويل] .
بَكَى الخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وَأَنْكَرَ جِلْدَهُ...
وَعَجَّتْ عَجِيجاً مِنْ جُذَامَ المَطَارِفُ
لما أسند البكاء إلى الخَزّ من أجل هذا الرجل - وهو رَوْح - وإنكاره لجلده مجازاً رَشّحه بقوله:"وَعَجّت المَطَارف من جُذام"أي: استغاثت الثياب من هذه القبيلة.
وقول الآخر: [الطويل] .
وَلَمَّا رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَ ابْنُ دَايةٍ...
وَعَشَّشَ فِي وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْرِي
لما جعل"النَّسْرَ"عبارة عن الشَّيب ، و"ابن داية"وهو الغُرَاب عبارة عن الشباب ، مجازاً رَشّحه بذكر التعشُّش فِي الوَكْرِ ، وقول الآخر: [الوافر] .
فَمَا أُمُّ الرُّدَيْنِ وَإنْ أَدَلَّتْ...
بِعَالِمَةٍ بأَخلاقِ الكِرامِ
إِذا الشَّيْطانُ قَصَّعَ فِي قَفَاهَا...
تَنَفَّقْنَاهُ بِالحبْلِ التُّؤَامِ
لما قال:"قَصّع فِي ثقاها"أي: دخل من القاصعاء ، وهي: جُحر من جِحَرَة اليَرْبُوعِ هنا لما ذكر سبحانه الشِّر ، أتبعه بما يُشاكله ، وهو الربح تمثيلاً لخسارتهم.