فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 1301

بنفسه، وبني عليه غيره. والابتناء إما أن يكون حسيا، وإما أن يكون عقليا. فالابتناء الحسي مثل ابتناء السقف على الجدار، والابتناء العقلي مثل ابتناء الأفعال على المصادر، والمجاز على الحقيقة، والأحكام الجزئية على القواعد الكلية، والمعلولات على العلل، وما يشبه ذلك.

وللأصل في اصطلاحنا عدة معان:

1 -الأصل بدء الشيء، أي أول ظهوره ونشأته، كما في قول ابن خلدون: «زعم انه الفاطمي المنتظر تلبيسا على العامة هنالك بما ملأ قلوبهم من الحدثان بانتظاره هنالك، وان من ذلك المسجد يكون أصل دعوته» (المقدمة، ص: 284) . وهذا البدء قد يكون زمانيا، كما في قول ابن خلدون أيضا: «ان البدو أقدم من الحضر، وسابق عليه، وان البادية أصل العمران ... وأن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه، لأن الضروري أصل والكمالي فرع ... وذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن احوال البداوة، وأنها أصل لها» . (المقدمة، ص: 213 - 214 من طبعة دار الكتاب اللبناني) . أو يكون مكانيا، كما في قولنا ان نقطة الصفر تعتبر أصلا بالنسبة الى تبدل قيم المتغير، وقد يكون مطلقا، كما في كلامنا على أصل الوجود، أو مبدأ الوجود، فهو لا يتضمن معنى زمانيا، بل يشير الى ابتناء العالم كله على علة أولى قديمة.

2 -وقد يطلق الأصل على أقدم صورة لشيء متبدل، فيكون مبنى وأساسا لذلك الشيء، كما في قول (رينان) : «يجب أن يشتمل تاريخ أصول المسيحية على تاريخ العهد المظلم الذي امتد من أوائلها الى الوقت الذي أصبحت فيه حادثا عاما، شائعا، ومعلوما لدى الجميع» -

وكما في قول (دوركهايم) : «ان الدراسة التي شرعنا فيها ضرب من اعادة النظر في مسألة أصول الأديان بشروط جديدة. لا شك اننا اذا عنينا بكلمة أصل بدءا مطلقا وجب استبعاد هذه المسألة لخلوها من أية صفة علمية.

فالمسألة المقصودة هنا هي غير هذه تماما. إنا نريد أن نجد وسيلة لابراز الأسباب الدائمة التي تتوقف عليها الصور الأساسية للتفكير والعمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت