فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 1301

وكل فلسفة تذهب الى القول ان في العالم ترتيبا تصاعديا تخضع فيه الحوادث للتصورات، والتصورات للمبادي فهي فلسفة متعالية، ومن قبيل ذلك ايضا القول ان في الوجود علاقات أبدية مستقلة عن اشتباك الحوادث وارتباطها، مجردة عن شروط الزمان والمكان، متعالية، مسيطرة على كل شيء، ثابتة، لا تتغير، كاملة لا تدثر ولا تبطل.

ومذهب التعالي ضد مذهب الكمون، او البطون الوجودي الذي يؤلّه الحوادث ويجعل عقول العلماء مغموسة في الطبيعة، راضية بالكون على علّانه، مقتنعة به، على تخبطه وتناقضه، وتنافي ظواهره، وتنافرها. وما دام الكون يجري الى الأمام دون مهادنة، فإن كل لحظة منه تجاوز التي قبلها، وتضيق عليها الخناق، لتكرهها على التبدل أو لتقلبها الى ضدها، وكذلك ما دام الإنسان عاجزا عن إيقاف حركة التطور، وتبديل مجرى التاريخ، فإن حقيقة الشيء في نظره ترجع إلى تحديد مكانه في سلسلة التطور. إن مذهب الكمون الوجودي يسلم بالتطور التاريخي، والسريان الوجودي. أما مذهب التعالي فيحكم عليه ويتعداه، الأول يلقي على الوجود نظرة أفقية تبدو مراحله فيها ممثلة لالتباس الصيرورة وتناقضها، والثاني يلقي على الوجود نظرة عمودية تجعل الحقائق العالية والمثل المخلدة الثابتة محيطة بالأشياء وناظمة لها.

والأعلى ( tnadnecsnarT) هو الذي يسمو إلى العلاء، حتى يجاوز كل حد معلوم، أو مقام معروف، وهذا السمو لا يقف عند السماء ولا فوق السماء، بل يستمر في الارتقاء الى غير نهاية. فليس الأعلى تابعا لتأثير بعض الأفعال أو الأشياء الخارجية، بل هو أسمى منها، كالعدالة السامية، أو العدالة المثالية، فهي أعلى من العدالة الواقعية، وكالعقاب والثواب المثاليين اللذين يختلفان تمام الاختلاف عن الثواب والعقاب الوجوديين والأعلى هو الذي يفوق حدّ الاعتدال ويجاوز المكان الأوسط، تقول هذا الجمال الاسمي، وهذا النظر الأعلى.

واللّه سبحانه وتعالى هو الأعلى، وله جميع الكمالات، لا يحده شيء، ولا تستطيع العقول المتناهية أن تدرك حقيقته.

والأعلى أيضا هو المعنى الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت