والخلاصة ان هذه المعاني الثلاثة تشترك في امر واحد، وهو البحث عن المطلق. قال (ليارد) :
«نريد معرفة المطلق بعد معرفة الظواهر، ومعرفة علة الوجود بعد معرفة شروطه، فموضوع علم ما بعد الطبيعة اذن تعيين هذا المطلق، والكشف عن هذه العلة» .
ب- مشكلة المعرفة.
لعلم ما بعد الطبيعة من جهة ما هو نمط من انماط المعرفة والفكر عدة معان.
الأول قولهم: ان موضوع علم ما بعد الطبيعة هو المعرفة المطلقة التي يحصل عليها بالحدس المباشر، لا بالاستدلال والنظر العقلي، قال (هنري برغسون) : غرض علم ما بعد الطبيعة الاطلاع على الحقيقة المطلقة، لا على الحقيقة النسبية، والنفوذ الى اعماق هذه الحقيقة، لا النظر اليها من جوانبها، وادراكها بالحدس، لا بالتحليل، وفهمها فهما مجردا عن كل لفظ، او اشارة، او ترجمة، او تمثيل رمزي، فعلم ما بعد الطبيعة اذن هو العلم الذي يريد ان يستغني عن الرموز.
والثاني قولهم ان علم ما بعد الطبيعة هو المعرفة التي يحصل عليها بالعقل من جهة ما هو قادر بنفسه على ادراك حقائق الأشياء، وعلى الاحاطة بالمبادئ الاولى للعلوم المادية والأخلاقية، قال (فرانك) في معجمه: جميع المدارس الفلسفية تعترف بأن هنالك علما أعم وأعلى من سائر العلوم، وهو العلم بالمبادئ التي تستمدّ منها جميع معارفنا وحدتها وصفتها اليقينة، حتى ان الذين بحثوا عن المبادي في باطن العقل، أو في باطن الفكر الانساني الذي لا يتغير، اضطروا الى اطلاق هذه المبادي على كل موجود، والى عدها تعبيرا دقيقا عن طبائع الأشياء، او اساسا مقوما لجميع الكائنات»
والثالث هو المعنى الذي نجده عند (كانت) ، وهو اطلاق اسم ما بعد الطبيعة على جملة المعارف المستمدة من العقل وحده، اعني